تخطٍّ إلى المحتوى
الخميس، 27 أغسطس 2026 · لندنENع
ريان الأزهري.الاستدامة · الطاقة · الكربون · البيئة المبنيةومنعطفات عابرة إلى الفلسفة أو الدين أو البرمجة، حيثما قاد الفضول
سوريا: السياسة والانتقال والضمير

كيف يمكن للقيادة المشتركة أن تعيد بناء سوريا

يقدم الغرق المأساوي لسفينة الشحن إل فارو في عام 2015 تحذيراً قوياً. هذه الكارثة، التي تسببت فيها القيادة الصارمة من أعلى إلى أسفل، تمتد إلى ما هو أبعد من العالم البحري. في كتابه "القيادة هي اللغة"، يستخدم ديفيد ماركيت هذا الحادث لإظهار كيف يمكن للقادة ذوي النوايا الحسنة...

ريان الأزهريأخصائي بيئي معتمد · 6 دقيقة قراءة
كيف يمكن للقيادة المشتركة أن تعيد بناء سوريا

كيف يمكن للقيادة المشتركة أن تعيد بناء سوريا

يقدم الغرق المأساوي لسفينة الشحن "إل فارو" عام 2015 تحذيراً بليغاً؛ فهذه الكارثة، التي تسببت فيها قيادة متصلبة تُدار من القمة إلى القاعدة، تتجاوز دلالتها العالم البحري بكثير. وفي كتابه "القيادة هي اللغة"، يستخدم "ديفيد ماركيت" هذا الحادث ليبيّن كيف يمكن لقادة حسني النية، إذا تمسكوا بهياكل القيادة التقليدية، أن يتسببوا في كارثة من حيث لا يقصدون.

فقد تمسك قبطان "إل فارو" بخطته الأولى تمسكاً مأساوياً، رغم تقارير الطقس المتفاقمة الخطورة ومخاوف طاقمه؛ وكان إخفاقه في تغيير المسار والإصغاء إلى التحذيرات والتواصل بصراحة مع بحّارته هو ما حسم مصير السفينة. هذا المثال المحزن يعيننا على فهم التحديات التي تواجه سوريا؛ فالأمة تقف على أعتاب حقبة جديدة، وخيارات قادتها المقبلين هي التي ستقرر مصيرها.

جوهر ما يقوله ماركيت أن القيادة مسألة لغة، أي خلق بيئة يشعر فيها كل عضو في الفريق بأنه قادر على مشاركة أفكاره ومعرفته. ويقدم ماركيت مصطلحي "العمل الأحمر" و"العمل الأزرق" لوصف نوعين مختلفين من النشاط داخل أي منظمة.

  • العمل الأحمر هو التنفيذ: إنجاز المهام، واتخاذ الإجراءات، واتباع أساليب العمل المقررة.

  • العمل الأزرق هو التفكير: ويشمل إعداد التقارير، والتخطيط، والتحسين، والتوقف، والتأمل، والتعلم، واتخاذ القرارات.

والمنظمات السليمة تحتاج إلى النوعين معاً، بالتوازن الصحيح وبالأشخاص المناسبين لكل منهما.

وتكشف مأساة "إل فارو" مخاطر اختلال هذا التوازن؛ فمن كانوا يؤدون العمل الأحمر لم يُسمح لهم بالمشاركة في العمل الأزرق. كان الطاقم الأقرب إلى الموقف، ورأى بأم عينه كيف يزداد الطقس سوءاً، ومع ذلك لم تُتح له فرصة عرض ملاحظاته ومخاوفه في عملية صنع القرار؛ فالقبطان وحده كان يؤدي العمل الأزرق، ولم يكن الطاقم سوى منفذين للأوامر. وقد أنشأ هذا النهج ثقافة لا تتدفق فيها المعلومات إلا من القمة إلى القاعدة، ثقافة يُثبَّط فيها كل تشكيك في السلطة، ويعتقد فيها القائد أنه يملك الإجابات كلها.

دروس للقيادة السورية المستقبلية

فما علاقة هذا كله بسوريا؟ إن قيادة سوريا الجديدة، مهما حسنت نواياها، تخاطر بتكرار ديناميكية "إل فارو" القاتلة إذا تبنت نهجاً متصلباً مماثلاً يُدار من القمة إلى القاعدة. فكما تجاهل القبطان تحذيرات الإعصار، قد يتجاهل قائد سوري جديد مخاوف المجتمعات المهمشة، معتقداً أنه يعرف مصلحة الأمة كلها خيراً من أهلها.

فالقرارات المنفردة، التي تُتخذ دون استشارة من تمسهم، قادرة على إعادة إشعال التوترات بسهولة؛ وغياب التواصل المفتوح، كصمت القبطان أمام طاقمه، يفضي إلى مزيد من انعدام الثقة وعدم الاستقرار. وتقديم الإصلاحات السريعة على الحوار الجامع يهدد بتنفير مجموعات أساسية، من فصائل دينية وعرقية وطبقية وإقليمية شتى، بما قد يفاقم التوترات القائمة. كما أن السيطرة المركزية قد تعطّل الإبداع والعمل الجماعي اللازمين لإعادة الإعمار بعد الصراع، ولا سيما في ظل المزيج المعقد من المصالح المحلية والإقليمية والدولية المتشابكة.

باختصار، إذا احتفظ القادة السوريون بكل "العمل الأزرق" (التخطيط وصنع القرار) لأنفسهم، وتركوا "العمل الأحمر" (التنفيذ) لجمهور مسلوب الإرادة، فإنهم يخاطرون بتكرار أخطاء "إل فارو" على مستوى وطني.

التعلم من التحولات التاريخية

لتجنب هذا المسار الخطير، على سوريا أن تتعلم من الدول التي انتقلت بنجاح من الديكتاتورية إلى الديمقراطية؛ ففي الأمثلة التاريخية عبر ثمينة.

فإعادة إعمار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، على اختلاف السياق اختلافاً كبيراً، تُظهر أهمية العمليات الجامعة والحكم المحلي؛ إذ شجعت قوى الحلفاء الاستقلال المحلي عبر برامج مثل "خطة مارشال"، ودعمت مشاركة الألمان في إعادة الإعمار وفي عملية اجتثاث النازية. ويتناقض هذا تناقضاً حاداً مع بلدان أفضت فيها الأساليب المدارة من القمة، الساعية غالباً إلى استقرار سريع، إلى استياء وعدم استقرار طويلي الأمد.

وتكشف الصعوبات التي واجهتها أفغانستان بعد الحقبة السوفيتية حدود الحلول المفروضة من الخارج؛ فقد أخفق القائمون عليها في إشراك الهياكل القبلية القائمة إشراكاً سليماً وفي معالجة الفساد المستشري، ففقدت الحلول الدعم المحلي. وبالمثل، يُظهر الانتقال في بعض دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، كروسيا، مخاطر الخصخصة المتعجلة؛ فالنقل السريع لأصول الدولة إلى أيد خاصة، من دون إصلاحات مؤسسية مناسبة، أفضى إلى صعود شخصيات تجارية متنفذة، وتفاوت اقتصادي هائل، وعدم استقرار سياسي مستمر.

في المقابل، يقدم خروج جنوب إفريقيا من نظام الفصل العنصري مثالاً قوياً على أهمية الحوار الجامع والمصالحة؛ فقد عقدت لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) جلسات استماع علنية، وعرضت عفواً مشروطاً بقول الحقيقة، فمنحت الضحايا منبراً لرواية قصصهم ومنحت الجناة فرصة للاعتراف. وكانت اللجنة، رغم بعض الانتقادات، ركناً أساسياً في إطلاق نقاش وطني حول الماضي، وأرست أساساً لمستقبل أكثر عدلاً ومساواة. ويختلف هذا اختلافاً كبيراً عن التحولات المتعجلة وغير المكتملة في بعض دول ما بعد الاستبداد، حيث أفضى إهمال المظالم السابقة إلى استياء دائم ودورات عنف متكررة.

نهج قيادة جديد لسوريا

الرسالة المستخلصة من هذه التجارب المتنوعة ومن دروس ماركيت في "إل فارو" واضحة: تحتاج سوريا إلى تغيير جذري في ثقافة القيادة بعد نظام الأسد، وعلى قادتها المقبلين التركيز على ما يلي:

  • اللامركزية في السلطة: تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في صنع القرار ("العمل الأزرق"). هذا يعكس نهج ألمانيا بعد الحرب ويتجنب مشاكل السيطرة المركزية المفرطة التي شوهدت في بعض دول ما بعد الاتحاد السوفيتي. هذا يعني إعطاء المجالس الإقليمية المزيد من الاستقلال وتطوير هياكل حكم محلي تلبي احتياجات مجتمعاتها. ويشمل أيضاً السماح للمجتمع المدني بالعمل والانضمام إلى عملية صنع القرار.

  • الحوار الشامل والمصالحة: إن معالجة المظالم وبناء الثقة بين المجموعات المتنوعة في سوريا (السنة والعلويين والأكراد والمسيحيين وغيرهم) أمر بالغ الأهمية. واستلهاماً لتجربة جنوب إفريقيا، ستكون آليات كشف الحقيقة والعدالة التصالحية والمصالحة حيوية لمداواة جراح الحرب. قد يشمل ذلك إنشاء منابر للضحايا لرواية قصصهم، وإجراء نقاشات مفتوحة حول الماضي، وتطوير طرق لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع.

  • الإصلاحات التدريجية والمستدامة: تجنب التغييرات السريعة التي قد تزعزع الاستقرار، مثل تلك التي شوهدت في التحولات بعد الحقبة السوفيتية. وبدلاً من ذلك، إعطاء الأولوية لبناء مؤسسات قوية ومستقلة. ويشمل ذلك إصلاح قطاع الأمن، وإنشاء قضاء مستقل، وتطوير خدمات عامة فعالة، والاستثمار في التعليم والرعاية الصحية. يجب أن يحدث كل هذا مع تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة.

  • الشفافية والمساءلة: إن ضمان التواصل المفتوح وطرق مساءلة القادة أمر حيوي. سيؤدي هذا إلى إعادة بناء ثقة الجمهور ومنع الميول الاستبدادية من العودة. هذا يعني إنشاء هيئات رقابة مستقلة، وحماية حرية الصحافة، وتشجيع مجتمع مدني قوي.

إن الابتعاد عن نموذج "القيادة والسيطرة" أمر ضروري؛ فمأساة "إل فارو"، حيث احتُكر "العمل الأزرق" في القمة، تُظهر خطورة هذا النموذج. تحتاج سوريا بدلاً منه إلى ثقافة قوامها الحوار المفتوح والمسؤولية المشتركة والحكم الجامع، وهذا ليس مجرد أمر مرغوب فيه، بل ضرورة لمنع تكرار إخفاقات الماضي.

يتطلب طريق المستقبل التعلم من نجاحات التحولات المماثلة وإخفاقاتها معاً، مع تكييف الاستراتيجيات وفق وضع سوريا الفريد، بما فيه من تفاعل معقد بين اللاعبين الداخليين والخارجيين، ومجتمع شديد التشظي، وتاريخ من الحكم الاستبدادي. ومع ضخامة التحديات، يبقى بناء مستقبل قائم على القيادة التشاركية والمصالحة الحقيقية والتنمية المستدامة أمراً ممكناً.

تقع على عاتق قادة سوريا المقبلين، وعلى شعبها، مسؤولية المطالبة بهذا المسار الجديد؛ فعليهم أن يشاركوا بفاعلية في إعادة الإعمار وأن يحاسبوا قادتهم، ولهم أن يستلهموا مبادئ "القيادة هي اللغة" ودروس التاريخ. عندها فقط تستطيع سوريا أن تنهض حقاً من الرماد وترسم مساراً نحو مستقبل عادل مستقر ديمقراطي؛ مستقبل يحظى فيه "العمل الأحمر" و"العمل الأزرق" معاً بالتقدير والمشاركة في المجتمع كله.

قراءات إضافية

  • هل شطف الدرج من الأعلى كافي؟

    هل شطف الدرج من الأعلى كافي؟   مقدمة: المثل كـنظرية سياسية في النسيج الثقافي السوري والبلاد الشامية، يتردد مَثَلٌ بليغ يختزل في طياته نظرية سياسية واجتماعية عميقة: "الدرج يُشطَف من الأعلى". هذا القول ليس مجرد حكمة شعبية عابرة، بل هو تعبير مكثف عن فهم مجتمعي لطبيعة السلطة الهرمية وتجذر الفساد. يعكس المثل قناعة راسخة بأن…

  • من عقلية الميليشيات إلى الحوكمة الناضجة في سوريا

    ملخص تنفيذي. تواجه الحكومة الجديدة في سوريا ما بعد الأسد لحظة حاسمة. فبدلاً من التصرف كحكومة ناضجة، ظهر نمط مقلق. نهجهم في الحكم يعتمد على رد الفعل، بل وطفولي تقريباً، يشبه ميليشيا وحشية أكثر من كونه دولة حقيقية. هذا التفكير القائم على "العين بالعين"...

  • دور الموازنة الحكومية في إعادة إعمار سوريا بعد الحرب: دروس من المملكة المتحدة ودول أخرى

    المقدمة: لماذا تعتبر الموازنات مهمة في إعادة بناء الدول؟ الموازنة الحكومية السنوية ليست مجرد مجموعة من التقديرات المالية، بل هي بيان بأولويات الدولة. بالنسبة لدول مثل المملكة المتحدة، تعكس الموازنة كيفية تخصيص الموارد لدعم الخدمات، تعزيز الاقتصاد، وتلبية احتياجات المجتمع. أما بالنسبة للدول الخارجة من الصراعات، مثل سوريا، تصبح الموازنة حجر الزاوية في جهود إعادة…

مقالات ذات صلة

العثور على مكاننا في سوريا الجديدة و الخوف من فقدان دور الضحية

أخيرًا، سقط نظام الأسد بعد حقبة طويلة ومؤلمة. وبينما يحمل هذا الحدث الأمل لسوريا جديدة، فإنه يثير أيضًا مشاعر معقدة وصعبة للكثيرين منا. إذا وجدنا أنفسنا نشعر بعدم الارتياح، بمزيج غريب من الراحة والقلق، وحتى بشعور الفقدان، فنحن لسنا وحدنا. ما قد يختبره الكثير منا و هو الخوف من فقدان دور الضحية، الخوف من أن معاناتنا…

· 5 min

المعاناة النسبية في سوريا

في حياتنا، المشقة والألم لا مفر منهما. عندما نواجه معاناتنا الخاصة أو نرى ألم الآخرين، يمكننا بسهولة الوقوع في ما تسميه عالمة الاجتماع برينيه براون "المعاناة النسبية". وهذا هو الميل لترتيب الألم في مراتب. نحن نعتقد أن معاناتنا إما "أكثر" أو "أقل" أهمية من معاناة شخص آخر...

· 4 min

الاستقطاب الحاد في سوريا

تواجه سوريا مشكلة أساسية: الانقسام الشديد. هذا الانقسام يمنع أي محادثات أو تفاهمات حقيقية. يُجبر الناس على الانحياز إلى أحد الجانبين، مما يبسط موقفاً معقداً إلى خيارات محدودة. إما أن تكون مع الحكومة أو ضدها...

· 4 min

مقالات إلى بريدك

كتابات جديدة عن سوريا والاستدامة والتمويل، بضع مرات في الشهر.

يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. يقرأها أكثر من ٤٢٠٠ متخصّص.