وراثة زوس: من مجمع الآلهة إلى فضاء الاحتمالات
«لو كان للثيران والخيول أيدٍ، واستطاعت أن ترسم بها، لجسّدت الآلهة على شاكلة الثيران والخيول.»
كزينوفانيس الكولوفوني، حوالي 570 قبل الميلاد
قبل ألفين ونصف من السنين، أي قبل وقت طويل من صياغة علم النفس الحديث لمفهوم “الإسقاط”، كان كزينوفانيس قد لاحظ بالفعل أمراً محرجاً بشأن الآلهة. فكتب أنه لو كانت الخيول تتعبد، لعبدت آلهة على هيئة خيول. هذه الملاحظة أقدم بكثير من الفلسفة الفكرية التي تفسرها، ولم تجد قط إجابة شافية أو مرضية من التقاليد الدينية واللاهوتية التي تقع في حرج أمامها.
تتناول هذه المقالة طرح كزينوفانيس بجدية كاملة، وتتتبع مسار هذا الإسقاط البشري عبر الزمن. وأريد هنا أن أجادل بأن إله الديانات التوحيدية الكبرى ليس وافداً جديداً تماماً كما تدعي تقاليدها؛ بل هو، في جوانب جوهرية، ينتمي إلى فئة الكينونة نفسها للآلهة التي انتقدها كزينوفانيس، غير أنه ارتدى ثياباً ميتافيزيقية لم ترتدها الآلهة الأقدم قط. إن التناقضات التي جعلت اللاهوت التوحيدي هشاً لقرنين من الزمان هي تناقضات مستوردة وليست مبتكرة؛ فقد نتجت عن إلباس شخصية إغريقية إطاراً مطلقاً، ثم توقع الدفاع عن هذه الإطلاقية فلسفياً وعقلانياً. وتختتم المقالة بمقترح للتعامل مع هذا السؤال بطريقة مختلفة، تستعيد في قالب حديث شيئاً كان المعتزلة قريبين جداً من صياغته والوصول إليه قبل أن يغلق تراثهم التقليدي الباب دونه.
أولاً: المشهد الذي عاشه الإغريق
طوال معظم التاريخ البشري، كان العالم متقلباً وغير قابل للتنبؤ به بطرق يصعب على الإنسان المعاصر تخيلها. فالمطر يهطل أو يمتنع، والبحر يهدأ أو يبتلع السفن، والأوبئة تحل دون سابق إنذار وترحل بلا تفسير، والأطفال يموتون، والمحاصيل تفشل. ولأن العقل البشري يرفض بطبيعته ترك هذه الأحداث دون تفسير، فإنه إذا عجز عن رؤية الأنماط، سارع إلى افتراض وجود قوى فاعلة (شخصيات غيبية). وهكذا تم اختراع هذه القوى الفاعلة، أو ربما تراءت للناس، اعتماداً على مزاجك الميتافيزيقي وميلك الغيبي.
لقد ملأ الإغريق كونهم بهذه القوى الفاعلة على نطاق واسع جداً؛ فبوسيدون يحكم البحر، وزوس يهيمن على السماء والطقس، وديميتر ترعى الحصاد، وأبولو يتحكم في الوباء والشفاء على حد سواء. وكان لكل إله مزاجه الخاص، ومجال اختصاصه، وحدود لا يتجاوزها. وكان من الممكن التقرب إليهم، واسترضاؤهم، وتملقهم، وخيانتهم أحياناً. ورغم أن هذه العلاقة كانت نفعية قائمة على المقايضة وتبدو للحس الديني المعاصر فجة، إلا أنها لم تكن حمقاء بأي حال؛ بل كانت بمثابة نظرية عمل للتعامل مع عالم غامض مستغلق. لم تكن تفهم لماذا هاج البحر اليوم، لكنك كنت تعرف أن مزاج بوسيدون متقلب. لم تكن تفهم سبب إصابة طفلك بالحمى، لكنك كنت تعرف أي إله يجب أن تتوجه إليه بالرجاء.
وما منح النظام الديني الإغريقي تماسكاً نفسياً هو أن آلهته كانت متباينة أخلاقياً ومزيجاً من الخير والشر؛ فزوس كان زير نساء، وهيرًا كانت منتقمة، وأبولو قد يكون قاسياً، وأفروديت متقلبة الأهواء. ولذلك، لم تكن المعاناة الإنسانية عند وقوعها تشكل معضلة أو فضيحة لاهوتية، بل كانت ببساطة ما تفعله الآلهة عندما تشعر بالملل، أو الإهانة، أو عندما تتنافس وتتصادم فيما بينها. فحرب طروادة، في رواية هوميروس، هي في جانب منها حرب بالوكالة بين الآلهة، يُسحق فيها الفانون لمجرد أن الفانين يُسحقون دائماً في نزاع الكبار. لم يكن هناك أي توقع بأن الآلهة خيرة بالمعنى الموحد أو المطلق؛ بل كان التوقع الوحيد هو أنها قوية، ومنحازة، ويستحق الأمر السعي لخطب ودها واتقاء شرها.
وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنه يخبرنا بشيء عن الوظيفة الأصلية التي كان الدين يؤديها: لقد كان يقدم تفسيرات سببية لعالم غامض، ويوفر لغة من الالتزامات والطقوس والتبادل لتجعل هذا الغموض يبدو أقل عشوائية ووحشية. لم تكن الآلهة بحاجة لأن تكون صالحة أو خيرة؛ بل كان يكفي أن تكون موجودة ومؤثرة.
ثانياً: الاندماج الطويل
إن ما حدث في الألفية التالية يعد واحداً من أغرب التحولات الفكرية في التاريخ البشري، وهو تحول يستحق أن يُروى دون نبرة الانتصار والزهو المعتادة؛ إذ تقلص مجمع الآلهة وتكامل تدريجياً. فصارت الآلهة المحلية آلهة إقليمية، وتحولت الآلهة الإقليمية إلى آلهة قومية، ثم أصبحت الآلهة القومية آلهة عالمية. وفي نهاية المطاف، اندمجت الآلهة العالمية في إله واحد، نادت به الديانة العبرانية وورثته المسيحية والإسلام في أشكال وصور معدلة.
يتتبع روبرت رايت في كتابه “تطور الإله” (The Evolution of God) هذا الاندماج والتركيز بالتفصيل. وغالباً ما يُوصف الانتقال من التعددية إلى التوحيد على أنه ارتقاء وتهذيب، كما لو أن أسلافنا تخلصوا تدريجياً من فجاجة الآلهة المتعددة ليصلوا إلى حقيقة أكثر رقياً ونضجاً. لكن ما حدث بالفعل، وفقاً للطرح الذي يقدمه رايت وآخرون، يشبه عملية “دمج واستحواذ”؛ حيث امتص إله واحد وظائف آلهة متعددة وقام بمهامها مجتمعة، غير أن سمات “الشخصية” الإنسانية لم تتبدد أو تتلاشى، بل تم تركيزها وتكثيفها فيه.
فالإله في العهد القديم يغار، ويضع الخطط، ويفضل البعض على الآخر، ويتدخل في الشؤون البشرية بمباشرة لا تقل عن مباشرة آلهة الأولمب؛ فيدمر مدناً، ويغرق قارات، ويصطفي أمماً ويهجر أخرى. ثم يأتي العهد الجديد ليهذب بعض الزوايا الحادة ويشحذ أخرى، ليرث القرآن هذا التصور ويفصله. وفي التقاليد الثلاثة كلها، يظل الله “شخصاً” بشكل من الأشكال؛ له إرادة، وله تفضيلات، وله مشاعر (أو ما يقاربها لدرجة أن النصوص والكتب المقدسة تستخدم مفردات المشاعر البشرية للتعبير عن صفاته وأفعاله).
ربما كان هذا الإرث غير ضار لو بقيت الادعاءات الميتافيزيقية عند المستوى الإغريقي القديم. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ فمع اندماج الآلهة في إله واحد، أُسبغت على هذا الإله الجديد صفات لم تدعها الآلهة القديمة قط: فقد أُعلن كلي القدرة، وكلي العلم، وكلي الخيرية والصلاح. ومن هنا بدأت المتاعب الفلسفية الحقيقية.
ثالثاً: المعضلة التي لم يواجهها الإغريق قط
تضع “المعضلة الثلاثية” (Trilemma) المنسوبة للفيلسوف أبيقور -والتي حفظها المدافع المسيحي لاكتانتيوس بعد ستة قرون في أطروحته «في غضب الله»– مشكلة الشر بوضوح وسلاسة لم يتفوق عليهما أحد حتى يومنا هذا:
إذا كان الله يريد أن يمنع الشر ولكنه لا يستطيع، فهو ليس كلي القدرة.
وإذا كان يستطيع ولكنه لا يريد، فهو ليس خيراً.
وإذا كان يستطيع ويريد في آن معاً، فمن أين يأتي الشر إذن؟
وإذا كان لا يستطيع ولا يريد، فلماذا نسميه إلهاً بالأساس؟
لم يكن على الإغريق الإجابة على هذه المعضلة قط؛ لأنهم لم يدعوا يوماً أن آلهتهم خيرة مطلقاً أو كلية القدرة، وبالتالي لم تكن المعاناة البشرية بحاجة إلى لاهوت دفاعي وتبرير. كانت المعاناة ببساطة أمراً بديهياً وطبيعياً في عالم تديره قوى وقدرات متعددة، منحازة، ومتصارعة فيما بينها في كثير من الأحيان.
ورثت الوحدانية شخصية الآلهة القديمة، لكنها نسبت لتلك الشخصية صفات جعلت التفسيرات القديمة مستحيلة ومرفوضة. فإذا كان هناك إله واحد فقط، وهو كلي الصلاح وكلي القدرة، فإن كل جفاف، وكل مجاعة، وكل وباء، وكل طفل يموت، وكل مجزرة، وكل كارثة طبيعية، تصبح سؤالاً يلح ويطلب إجابة مبررة. هنا لا يعود “التجاهل الإغريقي” (أو هز الكتف) خياراً مقبولاً؛ إذ لا يوجد إله ثانٍ نلقي باللوم عليه، ولا مجال لم يستطع بوسيدون السيطرة عليه. لا يوجد سوى إله واحد كان بإمكانه منع الكارثة ولم يفعل.
أصبح تاريخ اللاهوت وعلم الكلام منذ ذلك الحين، في جزء كبير منه، محاولة مستميتة للإجابة على هذا السؤال دون التخلي عن “الشخصية الإلهية” الموروثة. يجادل دفاع “الإرادة الحرة” -الذي صاغه الفيلسوف ألفين بلانتينغا في شكله الحديث الأكثر تأثيراً- بأن الشر الأخلاقي وجد لأن الله يقدر حرية الإنسان، وأن وجود عالم يضم مخلوقات حرة قد تختار الخطأ أحياناً أفضل من عالم من الكائنات الآلية المبرمجة أخلاقياً على الصواب المطلق. بينما يرى لاهوت “بناء الروح” (Soul-making theodicy) المرتبط بجون هيك، أن المعاناة هي الثمن الضروري لتطوير فضائل إنسانية سامية مثل الشجاعة والتعاطف والصبر. أما الفيلسوف لايبنتز فقد جادل بأن هذا العالم هو “أفضل العوالم الممكنة”، مهما بدت الأدلة عكس ذلك وصادمة للوجدان.
كل هذه الأطروحات مثيرة للاهتمام، لكن لا أحد منها يشفي الغليل تماماً؛ فدفاع الإرادة الحرة يواجه صعوبة بالغة في تفسير “الشر الطبيعي” (المعاناة التي لا يد للإنسان فيها كالكوارث الطبيعية والأمراض المستعصية)، بينما يصطدم لاهوت بناء الروح بعدم عدالة توزيع المعاناة، التي تقع بشكل غير متكافئ وغالباً على الفئات المستضعفة والأطفال الأقل قدرة على الفهم أو الصمود والاستفادة من هذا الصقل المزعوم. ولايبنتز، كما هو معروف، نال نصيبه من سخرية فولتير اللاذعة في رواية “كانديد” بعد زلزال لشبونة المدمر عام 1755، عندما اصطدم اللاهوت المتفائل الحالم بعشرات الآلاف من الضحايا الموتى تحت الأنقاض.
إن المشكلة الأعمق، وهي الملاحظة الجديرة بالوقوف عندها وتأملها، هي أن الإغريق لم يحتاجوا قط لأي من هذه التبريرات اللاهوتية (Theodicies)؛ فآلهتهم لم توصف قط بالخير المطلق، ولذا لم تحتج المعاناة التي سمحوا بها أو تسببوا فيها إلى دفاع فلسفي معقد. إن معضلة الشر هي معضلة خلقتها الوحدانية لنفسها بإصرارها على صفات وإطلاقات لم تدعها الأديان الأقدم قط؛ إنه جرح نازف يحاول اللاهوت تضميده دون أن يجرؤ على انتزاع النصل الفلسفي المتسبب فيه.
رابعاً: التقاليد المنشقة (التيارات البديلة)
سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن جميع المفكرين واللاهوتيين في الأديان التوحيدية قبلوا هذه الصورة الموروثة دون مقاومة أو تمحيص. فقد شهد العصر الذهبي للإسلام، على وجه الخصوص، نقاشات واسعة وعميقة حول هذه المسائل بالذات. فقد جادلت “المعتزلة” -وهي مدرسة كلامية عقلانية ازدهرت في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين- بأن البشر يملكون مسؤولية أخلاقية حقيقية عن أفعالهم (حرية الإرادة)، وأن الحسن والقبح (الخير والشر) يمكن إدراكهما بالعقل دون أن يتحددا اعتباطاً بالمرسوم الإلهي (التحسين والتقبيح العقليان)، وأن عدل الله يقتضي أن يكون الإنسان هو الفاعل الحقيقي لعمله لكي يستقيم مبدأ الثواب والعقاب.
وفي المقابل، ركزت المدرسة الأشعرية على القدرة الإلهية المطلقة والتقدير المسبق (القدر والخلط بين الإرادة والرضا) لدرجة باتت معها الأفعال البشرية “مخلوقة” من الله ومكتسبة من العبد في لحظة حدوثها. خسر المعتزلة المعركة السياسية والداخلية لأسباب لا تتعلق بقوة حجتهم الفكرية والمنطقية بل بظروف عصرهم، وتحول الرأي العام الديني نحو الموقف الأشعري، لكن هذا التقليد العقلاني لم يندثر قط؛ إذ استمر ابن رشد (المعروف في الغرب اللاتيني باسم Averroes) في القرن الثاني عشر بالدفاع عن التوافق بين العقل والوحي (الحكمة والشريعة)، تاركاً أثراً عميقاً صاغ الفكر الأوروبي من خلال توما الأكويني ومفكري عصر النهضة.
وفي اللاهوت المسيحي، اتخذ “المولينيون” خطوة مشابهة؛ إذ اقترح لويس دي مولينا، وهو لاهوتي يسوعي من القرن السادس عشر، أن الله يمتلك ما بات يُعرف بـ “العلم المتوسط” (Middle Knowledge). أي أن الله لا يعلم فقط كل ما هو كائن وما يمكن أن يكون، بل يعلم أيضاً ما كان سيختاره أي مخلوق حر في أي ظرف افتراضي ممكن. ووفقاً لهذا المنظور، يعلم الله كل الفرضيات البديلة والسيناريوهات المقابلة دون أن يجبر الإرادة البشرية على الاختيار. هذا الطرح من الناحية الفلسفية دقيق وذكي، رغم أنه لا يخلو من النقد والتهافت.
أما سبينوزا في القرن السابع عشر فقد سلك طريقاً مغايراً تماماً؛ إذ وحّد بين الله والطبيعة (وحدة الوجود المادية)، مفرغاً التصور الإلهي من مفهوم “الشخصية” تماماً، ليتعامل مع الله باعتباره الجوهر الضروري واللانهائي والوحيد الذي يتدفق منه كل شيء. إله سبينوزا لا يحب، ولا يعاقب، ولا يضع خططاً ولا أهدافاً؛ إنه “النظام” والوجود ذاته، وليس فاعلاً مريداً داخله. ورغم أن هذا الموقف أثار حفيظة معاصريه لدرجة الحرمان الكنسي والطرد المهين من كنيسه اليهودي وهو في الثالثة والعشرين من عمره، إلا أن هذا المنظور صمد بأشكال شتى، ووجد فيه فلاسفة وعلماء كبار مستقراً لفكرهم، بمن فيهم ألبرت آينشتاين.
ما تشترك فيه هذه التقاليد الفكرية البديلة هو رفضها الصريح والمبطن لقبول الشخصية الإغريقية الموروثة وهي ترتدي العباءة الميتافيزيقية للتوحيد؛ فقد أدركوا بحسهم السليم وعقولهم النقدية أن هذا التناقض البنيوي لا يمكن رتقه بالمسكنات، وأن مفهوم “الشخصية الإلهية” هو ما يجب أن يتغير أو يتزحزح.
خامساً: رقعة الشطرنج
دعوني أضع وجهة نظري الشخصية على الطاولة. أريد أن أجادل بأن هذه العقدة المستعصية برمتها ناتجة عن فرضية واحدة لم نكن بحاجة إلى تبنيها أصلاً: وهي الافتراض بأن الله يجب أن يكون “فاعلاً داخل النظام” بدلاً من كونه “مؤلفاً للنظام” ومبدعاً له. انزع هذه الفرضية وستذوب كل التناقضات كأن لم تكن. وفيما يلي التشبيه الذي أعود إليه دائماً، لا كعلم لاهوت متكامل وعقيدة مقفلة، بل كطريقة لتأطير السؤال أراها أكثر صدقاً وعقلانية مما يسمح به الموروث القديم.
تخيل الله كمصمم للعبة الشطرنج؛ هو من خلق الرقعة، وصمم القطع، وحدد القواعد التي يتحرك بها الحصان في مساره الملتوي، ويسير بها الفيل قطرياً فقط. إنه يعلم كل مباراة ممكنة يمكن لعبها من الحركة الأولى فصاعداً؛ يعلم شجرة الاحتمالات والإمكانات الكاملة، وملايين المسارات والسيناريوهات التي قد يتخذها لاعبان في الفضاء الواسع الذي صممه.
لكنه لا يحدد أي مباراة ستُلعب فعلياً. اللاعبون هم من يتحركون، وخياراتهم الحرة هي التي ترسم المسار الفعلي المتحقق على الأرض، والقطع تسقط وتُهزم حيث يوجهها اللاعبون. يعلم الله بنية كل إمكانية دون أن يفرض المسار الفعلي المحدد سلفاً.
ومن المهم أن نكون دقيقين للغاية بشأن ما يحدده هذا الإطار العام وما لا يحدده. القواعد والتصنيفات محددة وثابتة مسبقاً؛ فأنواع الأحداث التي يمكن أن تقع في كون ككوننا محكومة بالقواعد الفيزيائية والبيولوجية التي وضعها مؤلف النظام. فالسرطان ممكن لأن انقسام الخلايا لا بد أن يحتمل الخطأ لكي تعمل وتستمر عملية التطور البيولوجي؛ والزلازل ممكنة لأن حركة الصفائح التكتونية هي الآلية الجيولوجية التي تحافظ على صلاحية الغلاف الجوي للحياة المعقدة. إن فئة المرض، كفئة الصحة، تنتمي إلى معمارية النظام وليست قابلة للتفاوض أو الإلغاء داخلها.
لكن حدوث حالات فردية بعينها ليس مقدراً أو مكتوباً بسيناريو حتمي؛ فلم يكن حتمياً أن يصاب شخص محدد بهذا النوع المعين من السرطان في هذا الوقت بالذات. يوفر الإطار العام إمكانية حدوث الفئة كاحتمال رياضي وبيولوجي، بينما تنتج الأحداث الواقعية العينية عن التفاعلات العشوائية والفيزيائية للأجسام في بيئاتها الطبيعية، وعن الخيارات الحرة التي يتخذها فاعلون حقيقيون داخلها. لقد صمم الله أنواع الحركات المتاحة في الشطرنج، أما المباراة الفعلية ونتيجتها فتعتمد على خيارات اللاعبين وحركاتهم الحرة.
يحل هذا التشبيه عدة مشكلات لاهوتية وفلسفية مستعصية في آن واحد: فهو يحفظ لله علمه الكلي، ولكن كعلم بالاحتمالات والإمكانات والمسارات المتاحة لا كعلم بسيناريو مكتوب ومقدر سلفاً بشكل قسري. كما يحفظ حرية الإنسان الحقيقية، لأن المسار الفعلي ينتج بصدق وبدون جبر عن الخيارات المتخذة داخل النظام. ويرفع التناقض بين العلم المسبق الإلهي والإرادة الحرة، لأن ما يعلمه الله مسبقاً هو فضاء الاحتمالات والمسارات الممكنة، وليس النتيجة المحددة التي تبرز من الخيارات الحرة بداخلها. وأخيراً، يعطي معنى حقيقياً للمسؤولية الأخلاقية، لأن اللاعبين هم المؤلفون الحقيقيون للمباراة التي يلعبونها والمسؤولون عن نتائجها.
الاعتراض التقليدي والشهير على مثل هذه الآراء هو أنه إذا كان الله يعلم أي مباراة ستُلعب فعلياً في النهاية، فإن علمه هذا يتطابق مع القدرية والجبر. والرد على ذلك هو أن هذا الاعتراض يفترض خطأً أن الزمن شريط سينمائي مسجل شاهد الله عرضه مسبقاً وانتهى الأمر. أما إذا تعاملنا مع المسار الفعلي باعتباره شيئاً يتخلق بصدق وبشكل تراكمي من خلال الخيارات داخل النظام، فإن علم الله يكون شبيهاً بعلم الشجرة بأكملها بفروعها المتشعبة لا بالخط المنفرد المرسوم عبرها. هذا التصور يقربنا من رؤية الوجود كفضاء احتمالات متفرع (بنية احتمالية صممها الله) بدلاً من كونه تتابعاً خطياً واحداً ومحدداً سلفاً يشهده الإله كمتفرج سلبي.
يعيد هذا التصور أيضاً تموضع علاقة الله بالمعاناة بطريقة تعجز عنها “الشخصية الموروثة”؛ فالله ليس لاعباً في هذه المباراة. لم يحرك الله القطع التي تسببت في هذه الحرب المدمرة، أو هذا المرض العضال، أو موت هذا الطفل البريء. اللاعبون هم من حركوها بوعي أو بغير وعي، داخل النظام الذي صممه الله؛ فالمسؤولية مسؤوليتهم، والتبعات تبعاتهم وحدهم.
سادساً: السؤال الأكثر صعوبة
يتعامل تشبيه الشطرنج مع الشر الأخلاقي بوضوح وسلاسة شديدين؛ فالحروب تقع لأن البشر يختارونها ويسعون إليها، والقسوة والظلم يوجدان لأن خيارات القسوة متاحة كإمكانية داخل النظام البشري. السرقة، الخيانة، العنف، الإهمال: كلها حركات واختيارات داخل نظام يسمح بها، يقوم بها لاعبون يتحملون مسؤوليتها الأخلاقية والعملية بالكامل.
لكن “الشر الطبيعي” يظل عقبة كأداء وأكثر صعوبة، وأي نسخة صادقة ومنصفة من هذا الطرح يجب أن تواجهه بشجاعة وصراحة. فالطفل المولود بسرطان الدم لم يقم بأي حركة خاطئة في اللعبة، والتسونامي المدمر لم ينتج عن خيار بشري سيئ، والزلزال يدمر مدينة كاملة ويسحق سكانها دون استشارة أحد. هذه ليست حركات داخل اللعبة يقوم بها فاعلون مريدون، بل هي خصائص في الرقعة والبيئة نفسها.
هناك ردان متاحان؛ الأول هو أن نواجه الحقيقة الصادمة بصرامة وجرأة أكبر مما يُفعل عادة في اللاهوت الدفاعي التقليدي: لقد صمم الله كوناً يحكمه قوانين الديناميكا الحرارية، وحركة الصفائح التكتونية، والفيروسات، وأخطاء انقسام الخلايا، وهذه خصائص طبيعية وبنيوية لا يمكن الاستغناء عنها في أي نظام فيزيائي غني ومعقد بما يكفي لإنتاج حياة واعية وذكية.
وهذا ليس ادعاءً خطابياً للاستعراض الفكري؛ فالكون المادي الذي نعيش فيه هو بالضبط نوع الكون الذي تصبح فيه الأحداث التي نسميها كوارث أمراً ممكناً وحتمياً من الناحية الفيزيائية، وليس من قبيل الصدفة أو العبث أن تأتي الميزتان معاً. فحركة الصفائح التكتونية نفسها التي تسبب الزلازل المروعة هي التي تدير دورة الكربون الحيوية التي تحافظ على استقرار الغلاف الجوي وجعله صالحاً للحياة المعقدة والذكية. والخطأ الطفيف في النسخ الخلوي الذي ينتج السرطان الخبيث هو نفسه المحرك الأساسي للتنوع التطوري البيولوجي الذي أنتج الوعي والعقل البشري بالأساس. والتدرج والتباين الديناميكي الحراري الذي يعني موت النجوم وانفجارها في النهاية ومجيء العصور الجليدية، هو التدرج نفسه الذي ينظم المادة ويحولها من سديم عشوائي إلى هياكل وأجسام بالغة التعقيد والجمال.
والجهاز العصبي ذاته الذي يتيح لنا اختبار المعاناة والألم الفظيع هو ما يتيح لنا اختبار الحب واللذة والفرح والجمال وكل ما تقوم به المخلوقات الواعية من تجارب وجدانية. لا يمكنك فصل هذا الطرد الكوني إلى نصفين؛ لتأخذ النصف الجيد واللطيف وتطرد الآخر. إن كوناً مستقراً وثابتاً بما يكفي للسماح بنشوء الحياة وتطورها هو بالضرورة كونٌ استقراره الفيزيائي محدود ومؤقت وله ثمن. وكونٌ غني ومعقد بما يكفي ليحتوي كائنات واعية ومفكرة هو كون يشمل غناه كل ما يمكن أن يصيب تلك الأجسام الواعية في بيئاتها الطبيعية الحتمية.
غالباً ما يُستخدم الطرح الإنساني (الأنثروبي) للدفاع عن التفاؤل اللاهوتي، كدليل على أن الكون قد “ضُبط بدقة” من أجلنا. ولكن الأكثر صدقاً وعقلانية هو استخدامه في الاتجاه المعاكس: إن الضبط الدقيق للثوابت الفيزيائية الذي يسمح بوجود النجوم والكواكب والعقول المفكرة، هو الضبط الدقيق نفسه الذي يسمح بالمستعرات الأعظمية (Supernovae) المدمرة، والكوارث التكتونية، والافتراس الحيواني، والمرض. لا يوجد كون ممكن تتوفر فيه شروط وجود مراقبين يتساءلون عن سبب وجود المعاناة، دون أن يكون هذا الكون غنياً وممتلئاً بالمعاناة والألم كإمكانية فيزيائية وبيولوجية؛ فالسؤال مبني في صلب شروط طرحه وإدراكه. إن تخيل كون فيه بيولوجيا بلا موت، وعقول بلا أعصاب تشعر بالألم، ونجوم بلا تزايد في الفوضى (Entropy)، هو تخيل لأوصاف وأمنيات لا تشير إلى أي شيء واقعي ممكن في عالم المادة. هذه ليست أكواناً فيزيائية، بل هي أحلام يقظة ورغبات عاطفية.
هذا جواب قاسٍ وصادم للوهلة الأولى، ولكنه صادق ونزيه بطريقة تعجز عنها التبريرات اللاهوتية التقليدية الملتوية؛ فهو لا يدعي أن معاناة الطفل الصغير تهذب روحه وتصقلها، أو أنها جزء من خطة غامضة وخير أعظم لا نراه. إنه يقر بوضوح بأن الكون يحتوي على مأساة حقيقية كخاصية هيكلية وبنيوية، وأن هذه المأساة هي الثمن الوجودي والفيزيائي لوجود أي شيء على الإطلاق في هذا الكون المادي.
أما الرد الثاني فهو الادعاء بأن الشر الطبيعي يبدو شراً وفوضى فقط من منظورنا البشري الأناني المحدود، وأنه من منظور الكل والكون يشكل جزءاً من نمط ذي مغزى وتناغم لا نستطيع رؤيته. هذا هو الموقف الكلاسيكي الذي تتخذه التبريرات اللاهوتية القديمة، وهو موقف يجب مقاومته ورفضه بنبل؛ لأنه ينطوي على إخبار المتألمين والمفجوعين بأن معاناتهم مقبولة وجميلة في الواقع، ولكن من زاوية رؤية كونية غير متاحة لهم. هذه الحجة بالذات هي ما أسقط مصداقية اللاهوت والكتب المقدسة في عيون معظم الذين تجرعوا مرارة الفقد الحقيقي وخسروا من يحبون.
ثمة أمر آخر يجب قوله هنا وتوضيحه بصرامة: إن منظور “الإطار الهيكلي” (Framework View) ليس دعوة للاستسلام، والسلبيّة، والقدرية أمام الشر الطبيعي. إن الإمكانية المطلقة لوجود المرض والخلل مبنية في صلب النظام البيولوجي، ولكن الحدوث الفعلي للمرض وانتشاره قد تم تقليصه وإرجاعه بشكل مذهل من خلال العلم والعمل البشري الدؤوب. فالجدري كان يقع في إطار ما تسمح به البيولوجيا وتفرضه، وقد تم استئصاله نهائياً؛ وشلل الأطفال أوشك على الزوال؛ والعدوى البكتيرية كانت تعني الموت المحتم من جرح طفيف، واليوم بعد اكتشاف المضادات الحيوية لا يعير معظمنا للأمر بالاً؛ وكانت الولادة تودي بحياة الأمهات روتينياً وبكثرة طوال التاريخ البشري، واليوم لم تعد كذلك في معظم أنحاء العالم.
يظل الإطار البيولوجي العام قائماً وقابلاً للخلل، لكن المسار والخطوات التي يتخذها اللاعبون (البشر) عبره يمكن تغييرها وهندستها بما يتعلمه البشر ويفعلونه. إن العلم والطب والتقدم البشري، في هذه الصورة، هو السجل المتراكم والمنظم للخطوات والحركات البشرية التي حسنت طريقة لعب اللعبة الكونية وتلافي أخطار الرقعة. إن منظور الشطرنج لا يستسلم للمعاناة ولا يبررها بذرائع غيبية، بل يضع الاستجابة العملية للمعاناة في مكانها الصحيح والطبيعي: مع اللاعبين أنفسهم، ويقترح أن الموقف الديني والأخلاقي السليم تجاه الشر الطبيعي ليس الاستسلام الرضيع للقدر والرضا بالخراب، بل العمل الدؤوب على الفهم، والاستكشاف، والتدخل الطبي والعلمي لتحسين شروط الحياة.
الرد الأول يظل هو الأقوى والأصدق؛ فالكون مهيكل بطريقة تسمح بالوعي والمأساة معاً كحزمة واحدة لا تنفصم، فهما يسيران يداً بيد كشرط لبعضهما. هذا لا يعزي بالكلمات أحداً يعيش حالة فقد حار وحزن عميق، ولكنه على الأقل لا يهين عقله وذكائه بتبريرات واهية.
سابعاً: هندسة التجربة والشعور
هناك ميزة هيكلية وبنيوية أخرى لأي كون توجد فيه كائنات واعية ومدركة، وهي ميزة تؤثر عميقاً في مسألة المعاناة وإدراكها، حتى وإن كانت لا تبرر أي حالة فردية من الألم والمأساة. إن التجربة الواعية للإنسان ليست تسجيلاً مسطحاً رتيباً أو لوحاً بلون واحد؛ بل تعمل من خلال “التضاد والمفارقة والمقارنة”. فالكائن الذي لا يعرف سوى اللذة والمتعة المطلقتين لن يختبر اللذة كـ “لذة” ولن يشعر بقيمتها؛ والكائن الذي لا يعرف سوى الصحة التامة طوال حياته لن يشعر بالصحة على الإطلاق كنعمة أو كحالة إيجابية، بل ستكون الصحة هي خط الأساس المعتاد والممل الذي لا يبرز أمامه أي شيء آخر يستحق الالتفات.
نحن ندرك ونشعر بالسعادة جزئياً من خلال تباينها ومفارقتها للحزن، والسلام من خلال تباينه مع الصراع والضجيج، والحرية من خلال تباينها وقلقها من القيد والاستبعاد. إن أكثر حالات الرفاهية والعيش اعتيادية وبساطة تعتمد في الشعور بها وإدراكها على الوجود التصنيفي والهيكلي لأضدادها ومقابلاتها.
ويجب صياغة هذا الطرح بحذر ودقة شديدين لأنه يقترب من منزلق تبرير لاهوتي رفضته هذه المقالة ونددت به سابقاً؛ فالحجة هنا ليست أن معاناة طفل بريء في مشفى ما مبررة لكي يشعر طفل آخر في قصر ما بمتعته وصحته؛ فهذه مقايضة وحشية ولاأخلاقية لا مصلحة للمقالة في تبنيها أو الترويج لها. إن الحجة بنيوية ونفسية على المستوى الهيكلي للتجربة الإنسانية ككل: إنها تقول إن بنية التجربة الواعية تباينية وتضادية على المستوى التصنيفي العام. فدون الإمكانية الهيكلية للألم والوجع، لن يُسجل الشعور بالراحة والأمان كراحة؛ ودون الإمكانية الهيكلية للفقد والموت، لن يشعر الإنسان بالحب والتعلق والارتباط كارتباط ثمين؛ ودون الإمكانية الهيكلية للموت، لن نعي ونقدر الحياة كحياة فريدة وجميلة.
وهذا يتفق تماماً مع منظور الشطرنج؛ فالإطار الذي صممه مؤلف النظام يحتوي على إمكانية المعاناة وإمكانية الازدهار لأن تجربة أي منهما وإدراك قيمتها يعتمدان بالضرورة على الوجود الهيكلي والمنطقي للآخر. إن كوناً مصمماً لقطب واحد فقط ولون واحد لن يكون كوناً تتحقق فيه الأشواق والسعادة، بل سيكون كوناً راكداً ومستحيلاً لا يمكن للأشواق والوعي أن يولدا فيه أصلاً؛ لأن شروط حدوثهما وإدراكهما تقتضي التباين والمقارنة وقد تم محوها وتجريدها من البنية الأساسية. إن إلغاء إمكانية المعاناة تماماً سيلغي بالضرورة البنية التجريبية التي تجعل الازدهار والراحة قابلين للإدراك والشعور البشري.
لقد رأى الفيلسوف هرقليطس هذا بوضوح في القرن السادس قبل الميلاد عندما قال إن المرض هو ما يجعل الصحة سارة ولذيذة؛ وبنى التقليد الطاوي في الشرق الأقصى ميتافيزيقا وفلسفة كاملة (اليين واليانغ) على فكرة تلازم وتكامل الأضداد وعدم انفصامها؛ وجعلها التقليد الفينومينولوجي (الظاهراتي) في القرن العشرين خاصية جوهرية وبنيوية للوعي الإنساني نفسه. تتجاوز هذه الملاحظة الفلسفية الثقافات، والقرون، والأديان لأنه يصعب إنكارها أو تجاوزها بمجرد الانتباه إليها وتأملها. ويمتصها منظور الشطرنج وفضاء الاحتمالات بشكل طبيعي ومنطقي؛ فالإطار يشمل قطبي كل تضاد ومفارقة لأن الوعي الإنساني، لكي يوجد ويعمل أصلاً، يتطلب القطبين معاً ليفهم ويميز.
ومرة أخرى، هذا لا يعزي بالكلمات الشخص الذي يعاني حالياً معاناة حقيقية، ومريرة، وغير مختارة، ولا ينبغي للمحاججة الفلسفية أن تتظاهر بغير ذلك أو تقدم عزاءً بارداً. يظل توزيع المعاناة وحجمها ونوعيتها محكوماً بكيفية لعب اللعبة وحركة القطع والصدف داخل الإطار، وليس بتقسيم إلهي للأنصبة والابتلاءات بوعي مسبق. ولكنه يضيف سبباً منطقياً وعقلانياً للاعتقاد بأن الإطار يتخذ هذا الشكل بالذات، وليس شكلاً آخر أحادياً قد نفضله بعواطفنا الساذجة ورغباتنا الوردية. إن كوناً بقطب واحد لن يكون كوناً من الرغبات المنجزة، بل سيكون كوناً يستحيل فيه التوق، والاشتياق، والحب؛ لأن شروط حدوثها قد تم إلغاؤها من هندسة التجربة.
ثامناً: ما الذي يتبقى من الله؟
يطرح منظور وفلسفة بهذا الشكل سؤالاً بديهياً وحتمياً: إذا كان الله قد صمم النظام وقوانينه الفيزيائية والبيولوجية ثم تراجع وترك الحرية للاعبين وحركة المادة، فما هو الدور والعمل الذي يؤديه الله في هذه الصورة؟ أليس هذا مجرد مذهب “الربوبية” (Deism)، وهو المنظور الفلسفي الذي شاع في عصر الأنوار بالقرن الثامن عشر ورأى الإله كصانع ساعة ركب أجزاء الكون بدقة وتركها تدور ومضى في سبيله؟
إنه يقترب من المذهب الربوبي بالفعل في بعض تفاصيله، ولكنه لا ينهار بالضرورة فيه أو يتماهى معه بالكامل. إن النسخة الأكثر نقاءً، وفلسفة، وعمقاً من هذا المنظور ترى الله باعتباره “أساس الوجود وجوهره” (Ground of Being)، ومؤلف ومبدع فضاء الاحتمالات والإمكانات، والشرط والعلة الأساسية لوجود أي شيء وتجليه بدلاً من العدم المحض.
الله في هذا الطرح الفلسفي ليس فاعلاً متشخصاً داخل الكون يتدخل بشكل درامي ومزاجي في لحظات بعينها ليعطل قوانين الفيزياء أو ينقذ هذا ويهلك ذاك، بل هو مصدر وموجِد الكون ككل وقوانينه. هذا التصور الميتافيزيقي الراقي أقرب لإله سبينوزا، أو إله محيي الدين بن عربي في التراث واللاهوت الصوفي العرفاني (وحدة الوجود المتعالية)، منه إلى الإله الشخصي المتدخل ذي المشاعر الذي تعلمنا عنه في مدارس الأحد وحلقات الوعظ التقليدية البسيطة.
إنها صورة أكثر تجريداً، وزهداً، وجلالاً، وهي تتخلى طواعية عن الكثير من التعزيات البسيطة والمخاوف التي قدمها التصور الموروث القديم؛ فلا وجود لإله متشخص يستمع لدعاء فردي خاص ليغير قوانين الطبيعة من أجل شخص، ولا وجود لإله يعطل الجاذبية أو البيولوجيا لإنقاذ حياة، ولا وجود لإله يرتب المصائب والحروب ليعطينا درساً أخلاقياً أو يعاقب قرية بذنب أفراد.
ما يتبقى في هذا المنظور هو النظام نفسه وقوانينه الصارمة، واللاعبون (البشر) الذين يتحركون ويختارون بحرية تامة داخله. يتبقى الواجب الأخلاقي والمسؤولية البشرية الكاملة في اللعب بحكمة، والاختيار بضمير ومسؤولية، وتحمل التبعات والنتائج للخطوات المتخذة بشجاعة ونبل. يتبقى الإدراك الواعي بأن المعاناة -عندما تنبع من خيارات بشرية وظلم- هي من صنع البشر ومسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية، وعندما تنبع من بنية النظام نفسه وتصادم المادة (الزلازل والأمراض)، فإنها ضريبة الوجود المادي وليست عقاباً أو غضباً من أحد.
هذا اللاهوت والتصور الفلسفي قد يكون أقل تقديماً للتعزية الوجدانية السهلة والمسكنات المؤقتة في بعض الجوانب، ولكنه في المقابل يذيب ويبدد التناقضات الكبرى التي يعجز التصور القديم الموروث عن حلها؛ فهو لا يطالبنا بتقديم دفوع ومبررات مستحيلة وتنازلات عقلية للدفاع عن فاعل متشخص كلي القدرة والخيرية في مواجهة شواهد عالم يضج بالآلام، والكوارث، والأطفال المرضى. لا يتطلب منا هذا اللاهوت تبريراً دفاعياً ملتوياً لساحة الإله (Theodicy)، ولا يلزمنا بالتظاهر والنفاق الأخلاقي بأن قسم السرطان في مشافي الأطفال هو جزء من خطة حكيمة ومرسومة بعناية لا نفهمها.
تاسعاً: الإرث الذي يمكننا رفضه الآن
إن الحجة الأساسية والعميقة التي تسري في مفاصل هذا الطرح الفلسفي بأكمله ليست إنكار وجود الله أو الإلحاد؛ بل هي إثبات أن الإله الذي ورثه معظمنا في الثقافة السائدة هو مركب مشوش، وشخصية إغريقية قديمة ترتدي أزياء لاهوتية وميتافيزيقية توحيدية، كينونة تتناقض صفاتها المطلقة مع بعضها البعض ولا يمكن بأي حال التوفيق بين أفعالها المفترضة والعالم الحقيقي والفيزيائي الذي نعيش فيه ونخبره كل يوم. إن المشكلة الأساسية في الإله الموروث التقليدي ليست أنه “مات”، بعبارة نيتشه الشهيرة، بل في أنه لم يكن يوماً مفهوماً متسقاً، ومتماسكاً، وقابلاً للدفاع الفلسفي بالأساس.
وجدير بنا أن نقول بوضوح ما يستعيده هذا المنظور الفلسفي البديل وينعشه من جديد: إنه يستعيد ويحيي شيئاً كان علماء الكلام من “المعتزلة” قريبين جداً من صياغته والوصول إليه في تراثنا الإسلامي قبل أن يغلق التقليد والجمود الفكري الباب دونهم ويهمشهم؛ فقد ذهب المعتزلة بعقولهم النقدية إلى أن البشر هم الفاعلون الحقيقيون لأفعالهم (حرية الإرادة الإنسانية المطلقة)، وأن الحسن والقبح يدركان وينكشفان بالعقل البشري المستقل لا بمرسوم ديني اعتباطي، وأن عدل الله مفهوم وعقلاني وقائم على مبادئ واضحة وليس مزاجياً أو فوق الفهم البشري.
هذه هي الالتزامات والمبادئ العقلانية نفسها التي يتطلبها ويفرضها منظور الشطرنج وفضاء الاحتمالات. وفي حين خسر المعتزلة هذه المحاججة الكلامية والفلسفية في القرن التاسع الميلادي لصالح مذهب عام سائد فضل إلهاً أكثر تشخصاً، وقوة قاهرة، وتدخلاً مباشراً، فإن هذا الخيار الفكري لم يُحسم نهائياً ببرهان قاطع؛ بل تم تأجيله وإقصاؤه بقوة الظروف التاريخية والسياسية فحسب.
إن كل جيل يرث هذه الأسئلة الكبرى يملك كامل الحق والحرية الإنسانية لإعادة فتحها ومناقشتها، والموقف الفكري العقلاني الذي وقفه المعتزلة وصاغوه ما زال هناك في بطون التراث، بانتظار من يستعيده، وينفض عنه غبار القرون، وينهض به مجدداً في قالب لاهوتي وعلمي حديث. لقد أغلق التقليد والجمود الفكري باباً واسعاً لم يكن مضطراً لإغلاقه، وهذا الباب لم يزل موارباً وليس موصداً بالمزلاج.
ما ورثناه بدلاً من ذلك في ثقافاتنا السائدة هو لاهوت دمج مجمع الآلهة الإغريقي القديم في شخصية واحدة مهيمنة، وأسبغ عليها صفات ميتافيزيقية مطلقة لم تدعها الآلهة الأقدم قط لتبرير قوتها. وكانت النتيجة الحتمية تناقضاً وجودياً مستمراً وصارخاً يحاول اللاهوت والدعاة إدارته، وترقيعه، وتبريره منذ ألفي عام دون جدوى. يمكن حل هذا التناقض البنيوي بالكامل، ولكن فقط عبر التحلي بالشجاعة الكافية للتخلي عن هذا الإرث المربك والمتناقض.
فالإله الذي صمم الرقعة الكونية وقوانينها ليس هو الإله الذي يتدخل ليعاقب على الحركات الفردية للاعبين؛ والإله الذي ألف فضاء الاحتمالات والفرص ليس هو الإله المتشخص الذي يبكي في جنازة طفل ويتجاهل طفلاً آخر يموت جوعاً؛ والإله الذي هو أساس الوجود وجوهر الكينونة ليس هو الإله البسيط الذي ينحاز لفريق كرة قدم أو لطائفة بشرية دون أخرى في صراعاتهم التافهة.
الرقعة موجودة بقوانينها الفيزيائية، والقواعد والسنن الكونية قائمة، واللاعبون يتحركون بحرية، والنتائج والتبعات تترتب على الحركات بصرامة وعدل فيزيائي وأخلاقي. وكل ما عدا ذلك من تفاصيل وتجسيد وتشخيص هو ما أمضى التقليد والكهان ألفي عام في اختراعه وتثبيته في عقول البسطاء. ولذا، فإن السؤال الحقيقي والعميق الذي يواجهنا اليوم هو ذاك السؤال الذي أُجبر المعتزلة قسراً على التوقف عن طرحه، والذي يستمر التقليد الديني في تأجيله والهروب منه منذ ذلك الحين:
كيف سيكون شكل اللاهوت وفهمنا للإله لو سمح هذا الفكر لنفسه بأن “يعرف أقل” من التفاصيل البشرية المسقطة على الله، ليعرفه بصدق أكبر وجلال أعظم؟
تنويه من الكاتب: هذه المقالة الفكرية هي تأمل فلسفي شخصي حُر وليست عملاً لاهوتياً تصنيفياً أو عقيدة مذهبية تخصصية، وهي مقدمة بهذا المنظور المفتوح والودود. والمحاججة المعروضة هنا هي وجهة نظري الشخصية التي أتحمل مسؤوليتها الفكرية وأدافع عنها، لكن السؤال الكبير الذي تنتهي به المقالة هو ملك مشاع لكل إنسان يملك الشجاعة والفضول العقلي للتصدي له ومحاولة الإجابة عليه بصدق ونزاهة. وإني لأفضل بكثير سماع الاختلاف الفكري البناء والنقد العقلاني الذي تثيره هذه المقالة على الموافقة السهلة والقبول العاطفي اللذين لم يُكتسبا بجهد فكري وتأمل عميق.

