تخطٍّ إلى المحتوى
الخميس، 27 أغسطس 2026 · لندنENع
ريان الأزهري.الاستدامة · الطاقة · الكربون · البيئة المبنيةومنعطفات عابرة إلى الفلسفة أو الدين أو البرمجة، حيثما قاد الفضول
سوريا: السياسة والانتقال والضمير

انتهت النشوة، وبدأ الواقع: إعادة بناء سوريا تبدأ بك

لقد مرت ثلاثة أسابيع منذ سقوط نظام الأسد. كانت هذه لحظة انتصار كبير وراحة للكثيرين. ولكن مع انتهاء الاحتفالات، يجب أن نواجه حقيقة واضحة: العمل الشاق لإعادة بناء وطننا يبدأ الآن...

ريان الأزهريأخصائي بيئي معتمد · 3 دقيقة قراءة
انتهت النشوة، وبدأ الواقع: إعادة بناء سوريا تبدأ بك

انتهت النشوة، وبدأ الواقع: إعادة بناء سوريا تبدأ بك

ثلاثة أسابيع مرت على سقوط نظام الأسد، وكانت لحظة انتصار عظيم وارتياح للكثيرين. لكن مع انقضاء الاحتفالات، علينا أن نواجه حقيقة واضحة: العمل الشاق لإعادة بناء وطننا يبدأ الآن، ويبدأ بك أنت.

فجرائم نظام الأسد لا يُنكرها أحد، والدمار الذي خلّفه على مدى أكثر من نصف قرن لا مثيل له. ومع ذلك، علينا أن نتقبل أن إلقاء اللوم على الأسد في كل مشاكلنا لم يعد كافياً؛ فإذا كنا جادين في المضي قدماً، وجب أن ننظر إلى أنفسنا.

مواجهة عيوبنا

لطالما تجنبنا مواجهة الحقائق غير المريحة عن مجتمعنا وعن أنفسنا؛ فنحن نسارع إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين، وننكر في الوقت نفسه العيوب ذاتها في أنفسنا.

على سبيل المثال:

  • قد أسرق خط كهرباء.
  • قد أرشو مسؤولاً للكذب وسرقة حقوق شخص آخر.
  • قد أقبل رشاوى لتشويه الحقائق.
  • قد أكذب على الناس لتحقيق مكاسب شخصية.

ومع ذلك، فجاري هو الفاسد دائماً، وصديقي هو من يتلقى الرشاوى، وأهل الحي المجاور هم الكاذبون. هذا النفاق لا يقود إلا إلى مزيد من التدهور والانهيار.

إذا أردنا إحراز تقدم، وجب أن نعترف بهذه العيوب وأن نواجهها مباشرة؛ فالفساد والمحسوبية والعنصرية والطبقية والطائفية ليست أموراً مفروضة علينا من الخارج فحسب، بل هي متجذرة في أعماقنا. لا يمكننا أن نتجاهل هذه القضايا، ولا أن نلقي اللوم على الآخرين، سواء أكان الغرب أم دول الجوار أم بعضنا البعض.

فالتقدم الحقيقي يبدأ بشجاعة الاعتراف بأخطائنا، ويتطلب تواضعاً لقبولها. ولا سبيل إلى الشروع في معالجة هذه الحقائق إلا بتحمل مسؤوليتها، وعندها فقط نجد طريقاً إلى تغيير حقيقي.

عقلية جديدة لإعادة البناء

إن الاعتراف بعيوبنا ليس علامة ضعف، بل هو خطوة ضرورية نحو القوة؛ فهو يحررنا من حلقة الإنكار واللوم المفرغة، ويسمح لنا بالتركيز على الحلول. علينا أن نكف عن توجيه أصابع الاتهام وأن نبدأ بطرح السؤال: كيف يمكننا نحن، أفراداً ومجتمعاً، أن نتغير؟ فإذا واصلنا رؤية أنفسنا ضحايا على الدوام، صار التقدم عسير المنال.

فإعادة البناء تحتاج إلى أكثر من مجرد سياسات أو بنية تحتية؛ إنها تتطلب تغييراً في العقلية، وهذا يعني:

  • التخلي عن تحيزاتنا.
  • مواجهة المحسوبية والظلم.
  • إعادة تعلم قيم الإنصاف، والشمول، والمساءلة، والمسؤولية.
  • تقبل التنوع.
  • احترام وجهات النظر المختلفة.
  • التغلب على الانقسامات التي أعاقتنا لفترة طويلة.

لقد حان الوقت لنكف عن البحث عن شخص نلقي عليه اللوم، ونبدأ بتحمل المسؤولية عن مستقبلنا؛ فلعبة تبادل اللوم لن تبني أساس وطن أفضل، ولن يبنيه إلا العمل الجاد والتأمل الذاتي والعمل الجماعي.

دعونا نفتح صفحة جديدة. دعونا نتحرر من أعذار الماضي. دعونا نكتب قصة جديدة لأنفسنا. إن الاعتراف بعيوبنا وقبولها ليس نهاية الطريق، بل هو بداية التقدم. لن يكون الطريق أمامنا سهلاً، لكنه طريقنا نحن، ونحن من يرسم معالمه. المسؤولية تقع على عاتقنا، ويجب أن نبدأ الآن.

قراءات إضافية

  • العثور على مكاننا في سوريا الجديدة و الخوف من فقدان دور الضحية

    أخيرًا، سقط نظام الأسد بعد حقبة طويلة ومؤلمة. وبينما يحمل هذا الحدث الأمل لسوريا جديدة، فإنه يثير أيضًا مشاعر معقدة وصعبة للكثيرين منا. إذا وجدنا أنفسنا نشعر بعدم الارتياح، بمزيج غريب من الراحة والقلق، وحتى بشعور الفقدان، فنحن لسنا وحدنا. ما قد يختبره الكثير منا و هو الخوف من فقدان دور الضحية، الخوف من أن معاناتنا…

  • هل شطف الدرج من الأعلى كافي؟

    هل شطف الدرج من الأعلى كافي؟   مقدمة: المثل كـنظرية سياسية في النسيج الثقافي السوري والبلاد الشامية، يتردد مَثَلٌ بليغ يختزل في طياته نظرية سياسية واجتماعية عميقة: "الدرج يُشطَف من الأعلى". هذا القول ليس مجرد حكمة شعبية عابرة، بل هو تعبير مكثف عن فهم مجتمعي لطبيعة السلطة الهرمية وتجذر الفساد. يعكس المثل قناعة راسخة بأن…

  • المعاناة النسبية في سوريا

    في حياتنا، المشقة والألم لا مفر منهما. عندما نواجه معاناتنا الخاصة أو نرى ألم الآخرين، يمكننا بسهولة الوقوع في ما تسميه عالمة الاجتماع برينيه براون "المعاناة النسبية". وهذا هو الميل لترتيب الألم في مراتب. نحن نعتقد أن معاناتنا إما "أكثر" أو "أقل" أهمية من معاناة شخص آخر...

مقالات ذات صلة

ضمان الخدمات الاجتماعية في إصلاح القطاع العام السوري بعد الأسد

إن تفكيك الفساد المتجذر داخل نظام الأسد أمر واضح. إن القطاع العام السوري، المليء بعدم الكفاءة و"الموظفين الوهميين"، هو مثال رئيسي على ذلك. لقد استنزف هذا الفساد المنهجي الأموال العامة لعقود. وفي حين يوفر سقوط الأسد فرصة ذهبية لإصلاح ذلك، فإن نهج إصلاح القطاع العام...

· 4 min

رموز سوريا الجديدة: بداية مبشرة.. أم عودة للأساليب القديمة؟

رموز سوريا الجديدة: بداية مبشرة... أم عودة للأساليب القديمة؟ في عملية إعادة بناء الأوطان، التي تبعث على الأمل رغم هشاشتها، تكتسب الرموز أهمية كبرى. فالهوية البصرية الجديدة، أو الشعار المُصمَّم حديثاً، أو الأوراق النقدية الجديدة، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي تعبير قوي عن مستقبل الأمة وقيمها وعلاقتها بشعبها. ولهذا، فإن الكشف الأخير عن الهوية…

· 4 min

لحظة من الحرية، وتضحية مدى الحياة

في الأمس، شهدنا لحظة تاريخية. إنها لحظة انتظرها الشعب في سوريا لأكثر من نصف قرن. 53 عاماً من القمع والتعذيب والتجريد من الإنسانية ربما تنتهي أخيراً...

· 3 min

مقالات إلى بريدك

كتابات جديدة عن سوريا والاستدامة والتمويل، بضع مرات في الشهر.

يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. يقرأها أكثر من ٤٢٠٠ متخصّص.