تخطٍّ إلى المحتوى
الاثنين، 13 يوليو 2026 · لندنENع
ريان الأزهري.الاستدامة · الطاقة · الكربون · البيئة المبنيةومنعطفات عابرة إلى الفلسفة أو الدين أو البرمجة، حيثما قاد الفضول
إعادة بناء سوريا: الأنظمة والحوكمة

إعادة إعمار سوريا: مخطط للجميع وليس للقلة

لعدة أجيال، اعتنت عائلة أحمد ببستان زيتونهم على تل تغمره أشعة الشمس في سوريا. كانت الأشجار ميراثهم ومستقبلهم، رمزاً للسلام والديمومة. ثم جاءت الحرب وحولت كل ذلك إلى رماد. اليوم، حلم أحمد ليس فقط إعادة زراعة أشجاره، بل إعادة بناء حياته...

ريان الأزهريأخصائي بيئي معتمد · 7 دقيقة قراءة
إعادة إعمار سوريا: مخطط للجميع وليس للقلة

إعادة إعمار سوريا: مخطط للجميع وليس للقلة

لعدة أجيال، اعتنت عائلة أحمد ببستان زيتونهم على تل تغمره أشعة الشمس في سوريا. كانت الأشجار ميراثهم ومستقبلهم، رمزاً للسلام والديمومة. ثم جاءت الحرب وحولت كل ذلك إلى رماد. اليوم، حلم أحمد ليس فقط إعادة زراعة أشجاره؛ بل إعادة بناء حياة. لكنه يعلم أنه بعد توقف القنابل، غالباً ما تبدأ حرب من نوع مختلف، حرب تُخاض بالعقود ورؤوس الأموال.

قصة أحمد هي قصة سوريا. في حين يتحدث العالم عن إعادة إعمار بقيمة 400 مليار دولار، فإن السؤال الحاسم هو: هل سيكون التعافي لأشخاص مثل أحمد، أم أنه سيصبح كارثة ثانية؟ في كثير من الأحيان، تصبح "إعادة الإعمار" فترة من الاستخراج الجشع، حيث تقتسم الشركات الدولية وأقوياء النفوذ المحليون الغنائم، تاركين للناس العاديين ديوناً أعمق وآمالاً محطمة.

لقد رأينا هذه القصة المأساوية تتكشف من قبل.

  • في لبنان، قامت مجموعة صغيرة من النخب السياسية والتجارية بتجريف بيروت التاريخية لبناء أبراج فاخرة، وإثراء أنفسهم بينما يدفنون البلاد تحت جبل من الديون.

  • في أفغانستان، اختفت المليارات من المساعدات في "اقتصاد أشباح" لمدارس وهمية ومشاريع غير موجودة، مما موّل أنماط الحياة الباذخة للأقوياء بينما تُرك جيل كامل وراء الركب.

  • بعد تسونامي عام 2004 في إندونيسيا، طغى سيل من "رأس المال غير الصبور" على أنظمة المساءلة الضعيفة، مما سمح للمقربين وأصحاب النفوذ بالاستيلاء على مبالغ هائلة بينما بقيت آلاف العائلات تعاني في الخيام.

هذه ليست مجرد أخطاء معزولة. إنها نتائج يمكن التنبؤ بها لنموذج مكسور.

الآن، تقف سوريا على نفس مفترق الطرق المحفوف بالمخاطر. كما أجادل في كتابي، إعادة كتابة القواعد: رؤية لإعادة الإعمار المستدام في سوريا، فقد خلق الدمار شبه الكامل للبلاد فرصة مأساوية ولكنها فريدة من نوعها: "لوحة بيضاء". هذه فرصة لتصميم نوع جديد من التعافي، لا يعيد بناء ما فُقد فحسب، بل يبني شيئاً أفضل لأحمد والملايين مثله. يُبنى هذا النموذج على فكرة بسيطة وقوية: تقرير المصير المالي.

لماذا تفشل إعادة الإعمار في كثير من الأحيان؟

لبناء مستقبل أفضل، علينا أولاً أن نفهم لماذا فشلت الجهود السابقة بشكل مذهل. آليات الفشل متسقة بشكل مدهش. يعتمد كتيب الفشل على ثلاثة ركائز سامة: استيلاء النخب، و"رأس المال غير الصبور"، وفراغ الحكم الرشيد.

1. هندسة استيلاء النخب هذا ليس فساداً عشوائياً؛ إنه النظام نفسه يتم تسليحه لتحقيق مكاسب خاصة. في لبنان، أُعطيت شركة خاصة واحدة، يسيطر عليها رئيس الوزراء، مفاتيح إعادة إعمار بيروت، محولةً الأصول العامة إلى ثروات خاصة. في أفغانستان، كانت شبكة أكثر انتشاراً، "سوقاً مجرمة" حيث استخدمت النخب السياسية والعسكرية والتجارية مؤسسات مثل بنك كابول لاختلاس أموال المساعدات بشكل منهجي.

2. خطر "رأس المال غير الصبور" عندما تتدفق مليارات الدولارات من المساعدات إلى بلد هش، يكون هناك ضغط هائل لإنفاقها بسرعة. يتجاوز "رأس المال غير الصبور" الضوابط والتوازنات المصممة لمنع الفساد. في خضم الاندفاع لإظهار النتائج، ينتهي المطاف بالأموال في الجيوب الخطأ، ويُنسى الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إليها.

3. فراغ الحوكمة هذا هو المكون الذي يجعل كل شيء ممكناً. بدون مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة ومستقلة، لا يوجد شيء يوقف جنون التهام الثروات. يصبح الفساد هو القاعدة، والدولة، التي ينبغي أن تخدم الشعب، تخدم بدلاً من ذلك المفترسين.

بوصلة جديدة: بناء مستقبل يضع الناس والكوكب في المقام الأول

لتجنب هذه الفخاخ، تحتاج سوريا إلى أكثر من مجرد خريطة جديدة؛ إنها تحتاج إلى بوصلة جديدة. تلك البوصلة هي "اقتصاديات الكعكة المحلاة (Doughnut Economics)" لكيت راوورث.

إنها فكرة بسيطة ذات تداعيات عميقة. بدلاً من السعي وراء نمو لا نهاية له في الناتج المحلي الإجمالي، الهدف هو خلق "مساحة آمنة وعادلة للبشرية". فكر فيها ككعكة محلاة (Doughnut):

  • الحلقة الداخلية هي الأساس الاجتماعي. إنها الحد الأدنى المطلق الذي يحتاجه الجميع لحياة كريمة: الغذاء، والمياه النظيفة، والإسكان، والطاقة، والرعاية الصحية، والتعليم. لا ينبغي لأحد أن يسقط عبر هذا القاع.

  • الحلقة الخارجية هي السقف البيئي. هذه هي حدود الكوكب، مثل المناخ المستقر والمحيطات الصحية، والتي لا يمكننا تجاوزها دون التسبب في ضرر لا رجعة فيه.

بالنسبة لسوريا، هذه ليست نظرية مجردة. إنها تعني تحديد أهداف ملموسة: بناء منازل موفرة للطاقة لملايين النازحين، وإنشاء أنظمة غذائية قادرة على الصمود في وجه الجفاف، وتزويد الأمة بطاقة متجددة لامركزية ومملوكة للمجتمع. وهذا يعني إعادة بناء الاقتصاد ليكون أكبر بثلاث مرات، مع إبقاء انبعاثات الكربون أقل من مستويات ما قبل الحرب.

نظراً لوضعها كـ "لوحة بيضاء"، تتمتع سوريا بفرصة فريدة لترسيخ هذه المبادئ في حمضها النووي من اليوم الأول، بدلاً من محاولة تعديلها لتلائم نظاماً مكسوراً من القرن العشرين.

أربعة مفاتيح لفتح آفاق مستقبل أفضل

إذاً كيف تربط هذه الرؤية برأس المال العالمي اللازم لجعلها حقيقة؟ يُبنى نموذج تقرير المصير المالي على أربع ركائز، صُممت كل منها كإجراء مضاد مباشر لإخفاقات الماضي.

1. فرض الملكية المحلية يجب أن تبقى الثروة المتولدة في سوريا في سوريا. من خلال اتفاقيات المنافع المجتمعية (CBAs) الملزمة قانوناً، ستذهب نسبة مئوية من جميع أرباح المشاريع مباشرة إلى الصناديق التي تديرها المجتمعات المحلية. هذا يضمن أن السوريين هم البناة الأساسيون، والمستفيدون، من مستقبلهم.

2. التحكم في إعادة توطين الأرباح يتعلق هذا بضمان الشراكة، وليس النهب. ستشمل عقود الاستثمار بنوداً تلزم الشركات الأجنبية بإعادة استثمار جزء كبير من أرباحها في الاقتصاد السوري لعدد محدد من السنوات. وهذا يمنع ما يمكن تسميته "الاستعمار الكربوني". هذا شكل حديث من الاستغلال حيث، على سبيل المثال، يمكن لشركة أجنبية استئجار مساحات شاسعة من الأراضي السورية لمشروع إعادة تشجير. وستربح الشركة بعد ذلك الملايين من خلال بيع "أرصدة الكربون" في الأسواق الدولية، وهي أرصدة تولدها الغابات الجديدة. وبدون وسائل الحماية الصحيحة، يمكن إرسال كل تلك الأرباح إلى الوطن الأم، لتترك سوريا مع مشروع أخضر لا تسيطر عليه ولا يجني منه شعبها سوى وظائف منخفضة الأجر.

3. فرض الشفافية الجذرية ضوء الشمس هو أقوى مطهر. ستكشف بوابة رقمية عامة عن كل عقد كبير لإعادة الإعمار في الوقت الفعلي، بما في ذلك، وبشكل حاسم، المالكون المستفيدون للشركات المعنية. احتيال "المدرسة الشبح" في أفغانستان مستحيل عندما يتمكن أي مواطن لديه هاتف ذكي من رؤية من تم الدفع له بالضبط، وكم، ومقابل ماذا.

4. بناء قدرات التفاوض لا يمكن توقع أن تذهب دولة هشة وجهاً لوجه مع جيش من المحامين والممولين من شركة متعددة الجنسيات. ستضمن وحدة دعم التفاوض الوطنية، التي يعمل بها خبراء سوريون من الطراز العالمي، حماية مصالح الأمة بشراسة في كل صفقة، مما يمنعها من الانغلاق في عقود استغلالية.

المقياسالنموذج المكسورالمخطط السوري
رأس المالقروض مشروطة، مساعداتاستثمار ESG، سندات خضراء
الجهات الفاعلةمقاولون أجانب، نخبالمجتمعات المحلية، الشتات السوري
الفوائدتستحوذ عليها القلةمشتركة عبر الاتفاقيات المجتمعية
الشفافيةغامضة، بعد الحدثفي الوقت الفعلي، استباقية
النتيجةالديون والتبعيةتقرير المصير

الخلاصة: خيار لأحمد، اختبار للعالم

إن أي خطة مالية متطورة عديمة الفائدة بدون دولة جديرة بالثقة لإدارتها. هنا مرة أخرى، توفر المأساة فرصة: يمكن لسوريا بناء مؤسسات رقمية أولاً، شفافة افتراضياً من الصفر، متجاوزة الأنظمة الغامضة حيث يزدهر الفساد.

بالنسبة لأحمد، الذي يقف على أرضه القاحلة، هذا ليس نقاشاً سياسياً مجرداً. إنها حياته. الخيار بين ثلاثة مستقبليات مختلفة تماماً:

  1. المسار التقليدي: يصادر مشروع تقوده جهات أجنبية أرضه لصالح شركة زراعية كبيرة، ويقدم له وظيفة منخفضة الأجر على الأرض التي امتلكتها عائلته لقرون. وتتدفق الأرباح إلى الخارج.

  2. الدولة الفاشلة: لا يتمكن أبداً من إعادة الزراعة. تظل الأرض محروقة مع اندلاع صراعات جديدة حول الموارد الشحيحة، ويتحول أمله في المستقبل إلى غبار.

  3. القفزة التحويلية: تستخدم تعاونية قريته أموالاً من اتفاقية المنفعة المجتمعية لبناء نظام ري يعمل بالطاقة الشمسية. فهو لا يعيد زراعة بستان زيتونه القديم فحسب، بل يسجله في مشروع لاحتجاز الكربون، ويكسب دخلاً يساعد مجتمعه على الازدهار. إنه ليس ضحية لإعادة الإعمار؛ بل هو مهندسها.

إن إثبات أن التعافي المستدام والمنصف يمكن أن ينجح، حتى في أصعب بيئة على وجه الأرض، من شأنه أن يخلق مخططاً قوياً لحقبة جديدة من إعادة الإعمار في فترة ما بعد الصراع. وسوف يظهر أن رماد الحرب يمكن أن يصبح، بالشجاعة والتصميم المتعمد، أرضاً خصبة لمستقبل يفيد الجميع.

المخطط موجود. الخيار هو ما إذا كان لدينا الشجاعة الجماعية لبنائه، من أجل أشجار زيتون أحمد، ومن أجل سوريا بأكملها.

قراءات إضافية

  • سوريا رؤية للمستقبل في مواجهة واقع غامض

    تقرير لرويترز يكشف عن لجنة ظلّ تدير اقتصاد سوريا بقيادة شقيق الرئيس. قراءة في رؤية البلاد لمستقبلها الاقتصادي بعد الحرب في مواجهة واقع غامض.

  • ماذا لو نجحنا؟ إعادة تصور مستقبل أمة

    اطلب نسختك من "ماذا لو نجحنا؟ إعادة تصور مستقبل أمة". لأكثر من عقد من الزمان، كانت قصة وطني، سوريا، عبارة عن حساب لا هوادة فيه للخسارة. لقد تم تعريفها بكل ما سار بشكل خاطئ: الكارثة الإنسانية، الدولة الفاشلة، المشكلة المستعصية...

  • إعادة إعمار سوريا: اجتياز متاهة الدمار والقانون والجيوسياسة

    إعادة إعمار سوريا: اجتياز متاهة الدمار والقانون والجيوسياسة مقدمة لا تُمثّل إعادة إعمار سوريا تحدياً تقليدياً لمرحلة ما بعد النزاع أو ما بعد الكارثة؛ بل هي أزمة "فائقة التعقيد" يتراكب فيها هذان السيناريوهان فوق مشهد من السيادة المجزأة، والتشريعات المُسَيَّسة، والمنافسة الجيوسياسية المحتدمة. إن حجم الدمار الذي خلّفته أكثر من عقد من الحرب الأهلية، والذي…

مقالات ذات صلة

ضريبة الثقة: لماذا سيكلف إحياء سجلات الأوقاف العثمانية في سوريا أكثر مما يسترد؟

تحليل لخطة وزارة الأوقاف السورية لاسترداد الأوقاف التاريخية عبر الأرشيف العثماني. يوضح المقال كيف يؤدي التشكيك في سندات الملكية المستقرة إلى تقويض الثقة العقارية وإعاقة جهود إعادة الإعمار بعد الحرب.

أزمة سوريا المتعددة الأوجه: دمج العدالة البيئية وإعادة الإعمار الخضراء من أجل مستقبل قادر على الصمود

أزمة سوريا المتعددة الأوجه: دمج العدالة البيئية وإعادة الإعمار الأخضر من أجل مستقبل قادر على الصمود مقدمة الجمهورية العربية السورية عالقة في "أزمة متعددة الأوجه" مدمرة وتتفاقم ذاتياً. ترتبط آثار تغير المناخ المتزايدة بشدة بإرث سوء الإدارة الاستبدادية، ونتائج أكثر من عقد من الصراع الوحشي، وانهيار اقتصادي عميق. يرى هذا التقرير أن هذه الأزمات ليست…

· 3 min

مقالات إلى بريدك

كتابات جديدة عن سوريا والاستدامة والتمويل، بضع مرات في الشهر.

يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. يقرأها أكثر من ٤٢٠٠ متخصّص.