لحظة من الحرية، وتضحية مدى الحياة
في الأمس، شهدنا لحظة تاريخية. إنها لحظة انتظرها الشعب في سوريا لأكثر من نصف قرن. 53 عاماً من القمع والتعذيب والتجريد من الإنسانية ربما تنتهي أخيراً...

لحظة من الحرية، وتضحية مدى الحياة
في الأمس، شهدنا لحظة تاريخية. إنها لحظة انتظرها الشعب في سوريا لأكثر من نصف قرن. ثلاثة وخمسون عاماً من القمع والتعذيب والتجريد من الإنسانية ربما تنتهي أخيراً. ومع ذلك، ما زلت في حالة من عدم التصديق. لا أستطيع أن أستوعب تماماً ما حدث في الأيام العشرة الماضية.
هذه اللحظة العظيمة تجعلني أفكر في أخي، حسن، والثمن الباهظ الذي دفعه مقابل شجاعته.
تذكر حسن
في عام 2012، اختطفت قوات الأمن حسن من الشارع. كان شخص ما قد أبلغ عنه. احتُجز في فرع الشرطة العسكرية في اللاذقية لبضعة أسابيع. بعد ذلك، نُقل إلى حمص، ولاحقاً إلى فرع فلسطين في دمشق. كان هذا مركزاً معروفاً للتعذيب.
لم نعرف أبداً الأوقات المحددة التي قضاها في كل مكان. لم يُسمح لنا أبداً بالتحدث إليه أو معرفة مكانه. قمنا بجمع التفاصيل من آخرين كانوا محتجزين معه في أوقات مختلفة وأُطلق سراحهم لاحقاً.
بعد شهرين من اختفائه، تم استدعاء والدي إلى المحكمة العسكرية في دمشق. لم يُقدم أي تفسير. ذهب ببارقة أمل، معتقداً أنه قد يرى حسن أخيراً ويتم إطلاق سراحه. بدلاً من ذلك، قيل له إن أخي مات إثر نوبة قلبية في المعتقل. كانت هذه طريقة مهذبة للقول بأنه مات تحت التعذيب.
أروا والدي صوراً على شاشة لتأكيد هوية حسن. ثم أبلغوه أن "السلطات قد تكفلت بالجثة". لم يُسمح لنا بما يلي:
-
دفنه
-
إقامة جنازة
-
توديعه
الحقيقة التي لا تُحتمل
في وقت لاحق، وصف الناجون الذين شاركوا حسن في زنزانته الظروف الرهيبة التي عانى منها. كان أكثر من أربعين رجلاً محشورين في مساحة 4×4 أمتار. كانوا يتناوبون على الوقوف أو الاستلقاء. عندما كان حسن قريباً من الموت، توسل رفقاؤه في الزنزانة للحراس لتقديم المساعدة الطبية. ماذا كان الرد؟ "لا تنادونا إلا إذا مات". كانوا هناك عندما لفظ أنفاسه الأخيرة.
لسنوات، لم تكن لدينا شهادة وفاة رسمية، ولا دليل مادي. ثم في عام 2020، أثناء البحث في آلاف الصور التي سربها "قيصر" الشجاع، وجدناه. وجدنا صور حسن بين الجثث المعذبة. أكد هذا الحقيقة التي كنا نعرفها بالفعل ولكن لم نتمكن من قبولها حقاً.
كان أخي يبلغ من العمر 25 عاماً. كان صيدلانياً شاباً، متهماً بـ "تهديد الأمن القومي".
حتى مع هذا الدليل الواضح على وفاته، لا يسعني إلا أن أتمسك بأمل غير منطقي وخافت. لا يزال جزء مني يعتقد أن حسن سيخرج حراً اليوم. وأنه سيعود إلينا، وسنحتفل بحريته معاً. أعلم أن هذا حماقة، لكنه يبدو حقيقياً جداً.
مسؤوليتنا
اليوم، أفرح لحرية المعتقلين. أفرح لفرح وارتياح عائلاتهم. آمل أن تجلب هذه اللحظة السلام لأولئك الذين عانوا والأمل لأولئك الذين لا يزالون مجروحين. لكنني أعلم أيضاً أن هذه مجرد البداية. التحدي يبدأ الآن. المسؤولية لم تكن أعظم من أي وقت مضى، والمخاطر لم تكن أعلى من ذلك أبداً.
يجب علينا تكريم تضحيات السنوات الـ 13 الماضية. نحن مدينون لأمثال حسن في سوريا، لأولئك الذين قدموا كل شيء من أجل هذه اللحظة، لبناء مستقبل يليق بأحلامهم.
قراءات إضافية
- العثور على مكاننا في سوريا الجديدة و الخوف من فقدان دور الضحية
أخيرًا، سقط نظام الأسد بعد حقبة طويلة ومؤلمة. وبينما يحمل هذا الحدث الأمل لسوريا جديدة، فإنه يثير أيضًا مشاعر معقدة وصعبة للكثيرين منا. إذا وجدنا أنفسنا نشعر بعدم الارتياح، بمزيج غريب من الراحة والقلق، وحتى بشعور الفقدان، فنحن لسنا وحدنا. ما قد يختبره الكثير منا و هو الخوف من فقدان دور الضحية، الخوف من أن معاناتنا…
- لحظة أمل ومسؤولية: كيف نبني مستقبل سوريا بحكمة؟
ما حدث الأسبوع الماضي كان حدثًا عظيمًا ولحظة مفصلية في تاريخ سوريا. لقد منحنا هذا الأمل بمستقبل أفضل. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن أمامنا طريقًا طويلًا لبناء بلد مستقر وآمن. لقد تم تدمير البنية التحتية والنسيج الاجتماعي في سوريا بشكل منهجي تحت حكم الأسد، وإعادة بنائهما ستتطلب جهدًا ووقتًا هائلين. لكي نحقق نظامًا سياسيًا…
- المعاناة النسبية في سوريا
في حياتنا، المشقة والألم لا مفر منهما. عندما نواجه معاناتنا الخاصة أو نرى ألم الآخرين، يمكننا بسهولة الوقوع في ما تسميه عالمة الاجتماع برينيه براون "المعاناة النسبية". وهذا هو الميل لترتيب الألم في مراتب. نحن نعتقد أن معاناتنا إما "أكثر" أو "أقل" أهمية من معاناة شخص آخر...
مقالات ذات صلة
رموز سوريا الجديدة: بداية مبشرة.. أم عودة للأساليب القديمة؟
رموز سوريا الجديدة: بداية مبشرة... أم عودة للأساليب القديمة؟ في عملية إعادة بناء الأوطان، التي تبعث على الأمل رغم هشاشتها، تكتسب الرموز أهمية كبرى. فالهوية البصرية الجديدة، أو الشعار المُصمَّم حديثاً، أو الأوراق النقدية الجديدة، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي تعبير قوي عن مستقبل الأمة وقيمها وعلاقتها بشعبها. ولهذا، فإن الكشف الأخير عن الهوية…
انتهت النشوة، وبدأ الواقع: إعادة بناء سوريا تبدأ بك
لقد مرت ثلاثة أسابيع منذ سقوط نظام الأسد. كانت هذه لحظة انتصار كبير وراحة للكثيرين. ولكن مع انتهاء الاحتفالات، يجب أن نواجه حقيقة واضحة: العمل الشاق لإعادة بناء وطننا يبدأ الآن...
ضمان الخدمات الاجتماعية في إصلاح القطاع العام السوري بعد الأسد
إن تفكيك الفساد المتجذر داخل نظام الأسد أمر واضح. إن القطاع العام السوري، المليء بعدم الكفاءة و"الموظفين الوهميين"، هو مثال رئيسي على ذلك. لقد استنزف هذا الفساد المنهجي الأموال العامة لعقود. وفي حين يوفر سقوط الأسد فرصة ذهبية لإصلاح ذلك، فإن نهج إصلاح القطاع العام...