إصلاح أنظمة البناء في سوريا: تحليل مقارن وخريطة طريق استراتيجية
الكود الزلزالي السوري ملزم منذ عام 2013، ومع ذلك انهارت مبانٍ مرخّصة ومصمّمة وفقه عام 2023. تقارن الطبعة الثانية من تقريري بين ست عشرة دولة لتبيّن السبب، وما يجب أن يعالجه الكود الوطني الجديد. والتقرير الكامل مجاني عبر البريد الإلكتروني.

الطبعة الثانية، تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وهي تحل محل الطبعة الأولى الصادرة في 13 حزيران/يونيو 2025. والتقرير الكامل متاح مجاناً: اطلبه عبر البريد الإلكتروني.
في شباط/فبراير 2026 بدأت سوريا كتابة القواعد التي ستحكم أكبر برنامج بناء في تاريخها، إذ شكّلت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية لجنة عليا من 24 عضواً، برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، لإعداد كود وطني للبناء. ومن شأن مشروع قانون مرافق أن يجعل الكود ملزماً وأن يتيح ملاحقة المخالفات أمام القضاء، لكن أياً من الكود أو القانون لم يكن قد نُشر حتى 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
ولهذا فإن هذا العام هو العام الحاسم. فالبنك الدولي يقدّر تكاليف إعادة الإعمار بما بين 140 و345 مليار دولار، مع تقدير أساسي متحفظ يبلغ 216 مليار دولار، وكل بلاطة من ذلك ستُصبّ في ظل النظام الذي ستتركه تلك اللجنة خلفها. وقد كُتب هذا التقرير للذين يصوغون هذا النظام: اللجنة والوزارات الممثلة فيها، والجهات المانحة ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية التي ستموّل جزءاً كبيراً من العمل.
ما أخطأت فيه الطبعة الأولى
أبدأ باعتراف: قالت الطبعة الأولى من هذا التقرير إن من المرجح جداً أن تصميم المباني المقاوم للزلازل لم يكن ملزماً في أجزاء كثيرة من سوريا قبل عام 2023. وهذا خطأ من الناحية القانونية.
فالكود العربي السوري للخرسانة المسلحة نافذ بتعميم منذ عام 2004، وقد جعل تعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 44/15 الصادر في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2013 طبعته الصادرة عام 2012 ملزمة لجميع الجهات العامة والخاصة. والكود يتضمن أحكاماً زلزالية منذ عام 1995، وتغطي ملاحقه أصلاً تدعيم المباني القائمة.
وهذا التصويب يغيّر التشخيص كله. فالبلد الذي لا يملك كوداً زلزالياً يحتاج إلى كود، أما البلد الذي امتلكه منذ عقود ثم رأى مبانيَ مرخّصة ومصمّمة وفقه تنهار في اللاذقية في شباط/فبراير 2023، فمشكلته من نوع آخر، ولن تحلّها وثيقة أفضل.
لذلك أُعيد بناء الطبعة الثانية من الأساس. فكل معلومة واقعية فيها تستند الآن إلى وثيقة جرى الحصول عليها وقراءتها، وحُذفت العبارات التي تعذّر تتبّع مصدرها، واتسعت المقارنة من ثماني دول إلى ست عشرة دولة، إضافة إلى تجارب إعادة البناء بعد الحرب والكوارث في خمس دول أخرى.
الكود حلقة واحدة في سلسلة
كود البناء وثيقة، أما ما يُبقي المبنى قائماً فهو سلسلة كاملة: المهندس الذي يصمّم وفق الكود، والمدقّق الذي يراجع التصميم، والمشرف في الموقع، والمخبر الذي يفحص الحديد، والمفتش القادر على إيقاف الأعمال، والمؤسسة التي تدفع لهؤلاء جميعاً وتحميهم. والزلزال لا يختبر الوثيقة، بل يختبر السلسلة.
وسلسلة سوريا مكتملة على الورق: فكل مخطط يحمل خاتم المهندس المصمّم وتوقيعه، ونقابة المهندسين تجعل المهندس مسؤولاً عن عمله عشر سنوات، والمهندس المشرف ملزم بالتأكد من إجراء الاختبارات في الموقع.
لا يكمن الضعف في غياب الحلقات، بل في هوية من يتحقق من كل واحدة منها. فالتصميم تكفله المهنة التي أنتجته، والموقع يراقبه مهندس يتعاقد معه المالك، والبلدية تدقّق الأوراق، وبعض المجالس المحلية ليس فيها إلا مهندس واحد. أي إن السلسلة يتحقق منها في الغالب الأشخاص الذين يُفترض أن تُلزمهم.
ولمضمون الكود نفسه ثغرات أيضاً. فملحق الزلازل يسمح بتصميم المباني السكنية في المناطق الغربية، حيث تبلغ الخطورة المرسومة على الخريطة ما بين 300 و400 سنتيمتر في الثانية المربعة، لتقاوم 300 فقط، كما يسمح بتصنيف الموقع دون دراسة جيولوجية. ويعرض التقرير الثغرتين وسبل سدّهما، لكنهما ليستا جوهر القصة.
وسجل شباط/فبراير 2023 يوضح السبب. فقد أودت الزلازل بحياة 6,599 شخصاً في سوريا، وفي محافظة حلب وحدها سجّلت الأرقام الرسمية الكشف على 23,921 مبنى، منها 5,301 مبنى تحتاج إلى تدعيم و877 تحتاج إلى هدم. وخلصت اللجان الرسمية إلى أن المباني المتضررة لم تُصمَّم ولم تُنفَّذ وفق الكود، فيما وصفت "سيريا ريبورت" (The Syria Report) هذا الاستنتاج بأنه غير دقيق، لأن كثيراً من المباني المصمّمة والمنفّذة وفقه انهارت أيضاً. والقراءتان تشيران إلى الموضع نفسه: التطبيق والموقع.
تركيا امتلكت الكود، وانهار مع ذلك 35,355 مبنى
ضربت الزلازل نفسها تركيا، وكودها الزلزالي الصادر عام 2018، النافذ منذ عام 2019، يصفه البنك الدولي بأنه يعكس إلى حد كبير الممارسات الدولية الجيدة. ومع ذلك، فمن أصل 1,712,182 مبنى جرى تقييمها بعد الزلازل كان 35,355 مبنى قد انهار، وبلغ عدد الضحايا في تركيا 53,537 شخصاً، وبحلول نهاية تموز/يوليو 2023 كانت المحاكم قد أوقفت 351 شخصاً، منهم 118 مقاولاً و192 مشرفاً على مواقع البناء.
والآلية الأشد ضرراً لم تكن تقنية، بل كانت العفو. فقانون صدر عام 2018 سمح بتسجيل المنشآت بناءً على تصريح المالك نفسه ودفع رسم، وجعل مقاومة الزلازل مسؤولية المالك، فأصدر 7,085,969 شهادة تسجيل، منها 294,166 في عشر من الولايات التي ضربتها الزلازل لاحقاً.
الكود الذي يمكن شراء الإعفاء منه بعد البناء ليس كوداً، بل جدول رسوم.
وسوريا تكتب كودها الآن، وما إذا كان سيترك منفذ الهروب نفسه مفتوحاً هو من أولى المسائل التي يطلب التقرير من اللجنة حسمها.
أقوى قاعدة موجودة في سوريا أصلاً
أفرزت المقارنة نتيجة لم أتوقعها: فالدول ذات السجل الأفضل لا تعتمد على مضمون الكود. وتشيلي، التي لم يتعرض فيها للضرر الشديد أو الانهيار إلا نحو 2 في المائة من المباني المصمّمة هندسياً في زلزال عام 2010 بقوة 8.8 درجات، تفرض الكود أساساً عبر المسؤولية، إذ تُذكر أسماء المهنيين في الرخصة، وتمتد المسؤولية عن العيوب الإنشائية عشر سنوات.
وهذه القاعدة موجودة في سوريا. فالمادة 617 من القانون المدني الصادر عام 1949 تجعل المهندس المعماري والمقاول متضامنين في المسؤولية عشر سنوات إذا تهدّم ما شيّداه، حتى لو كان السبب عيباً في الأرض نفسها، والمادة 619 تُبطل كل شرط يحدّ منها، فالقاعدة على الورق لا تقل قوة عن نظيرتها التشيلية.
لكن ينقصها أمر واحد. فقد أُخذت عن النموذج الفرنسي، وفي فرنسا يُغطّى هذا الضمان العشري بالتأمين، ولم تعثر هذه المراجعة على قاعدة سورية تُلزم بذلك. ومن دون تأمين، تتوقف أي مطالبة بعد الانهيار على العثور على مهندس أو مقاول ما زال مليئاً، ويمكن الوصول إليه، وما زال في البلد. وبعد كارثة من النوع الذي وُجدت القاعدة من أجله، تكون هذه القائمة قصيرة جداً.
فالحل لا يكمن في قانون جديد، بل في تأمين مسؤولية تفرضها سوريا أصلاً، وفي كتابة أسماء جميع المهنيين المسؤولين على كل رخصة. ويشرح التقرير كيف، إلى جانب ما تفعله اليابان ونيوزيلندا للمباني القديمة والخطرة مما لا تفعله سوريا بعد.
التقرير الكامل مجاني. 120 صفحة في الطبعة العربية، فيها تسعة أشكال بيانية وخريطة، وتحليل للفجوات في ستة عشر محوراً، وسبع وعشرون توصية لكل منها جهة مقترحة لقيادتها، وخريطة طريق من ثلاث مراحل. اطلب نسختك عبر البريد الإلكتروني.
معظم الخطر قائم أصلاً
الكود الوطني يحكم ما سيُبنى لاحقاً، أما معظم الخطر في سوريا فيقع فيما هو قائم الآن.
فقد أقرّ وزير الإسكان عام 2018 بأن السكن العشوائي يشكّل ما بين 40 و50 في المائة من المناطق الحضرية، ولم تُصدر محافظة دمشق أي رخصة بناء على الإطلاق بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وأيلول/سبتمبر 2025، فيما كان البناء غير المرخّص يتمدد في المناطق المنظّمة. ونظام الترخيص الذي لا يُصدر شيئاً لا يوقف البناء، بل ينقله إلى خارج النظام.
وللمخزون المتضرر مخاطره الخاصة، فمخلفات المتفجرات كامنة بين الأنقاض، وقانون عام 2018 الناظم لإزالة الأنقاض لا يذكرها. وقد تحقق تقدم فعلي عام 2026: إعفاء المنازل المتضررة بفعل الحرب من الرسوم الهندسية، واشتراط تقرير سلامة إنشائية قبل الترميم، ومنهجية وطنية لتقييم الأبنية المتضررة. ويوصي التقرير بالبناء على ذلك بدءاً بالمدارس والمستشفيات.
وتمويل التفتيش هو الجزء الأصعب، وقد وجدت نيبال حلاً له. فبعد زلزال عام 2015 صُرفت منح السكن على دفعات مرتبطة بثلاث عمليات تفتيش، وأُعطيت الأسر التي قصّرت منازلها عن المستوى المطلوب دليلاً للتصحيح وطريقاً للعودة إلى الاستحقاق، ودُرّب 1,862 مهندساً على تطبيقه، فسجّل المشروع إعادة بناء 319,621 منزلاً مقابل هدف بلغ 309,335. لقد صارت المنحة نفسها نظام التفتيش. أما أوكرانيا فتقدّم الدرس المعاكس، إذ ألغت هيئة التفتيش قبل أن تزوّد الجهاز البديل بالموظفين، فتراجعت إجراءات الرقابة على البناء المخطط لها من 7,700 إلى 800.
مبانٍ أكثر أماناً، ولكن على أرض من؟
لا يمكن فصل قواعد البناء عن الملكية. فالمرسوم رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018 أحدثا مناطق تنظيمية بمهل قصيرة للمطالبات، وما زالا نافذين، وفي 18 آب/أغسطس 2026 حثّ المقررون الخاصون في الأمم المتحدة الحكومة على تعليقهما. والكود السليم حين يُطبَّق عبر قوانين تنزع ملكية المهجّرين يجعل المباني الجديدة أكثر أماناً، لكنه يحسم ملكيتها لصالح الأيدي الخطأ. وهذه ليست مسألة جانبية بالنسبة إلى كود البناء، بل هي المسألة نفسها، والتقرير يتناولها على هذا الأساس.
عشرة إجراءات للسنتين المقبلتين
يعرض التقرير سبعاً وعشرين توصية، لكل منها الممارسة المقارنة التي تستند إليها والجهة المقترحة لقيادتها، مرتّبة في خريطة طريق من ثلاث مراحل. وينبغي أن تبدأ عشرة منها خلال السنتين المقبلتين، ومن بينها:
- إصدار قانون الكود الوطني متضمناً العقوبات وصلاحيات وقف الأعمال.
- تكليف المفتشين باستقلال عن المطوّرين، ودفع أجورهم من رسوم الرخص.
- التأمين على الضمان العشري الذي يفرضه القانون المدني أصلاً.
- رفض تسوية أي مبنى مقابل الدفع وحده.
- مسح المخاطر المتفجرة والأسبستوس قبل أي هدم.
أما الإجراءات الخمسة الأخرى، والتوصيات السبع والعشرون كاملة، والمؤشرات اللازمة لمتابعتها، فهي في التقرير. وفيه أيضاً قسم مكتوب للجهات المانحة والمنظمات غير الحكومية، لأن المشاريع الممولة لا تحتاج إلى انتظار القانون: فإلى أن يصبح الكود الوطني نافذاً، تبقى شروط المانحين أقرب ما تملكه سوريا إليه.
الزلزال لن يقرأ الكود
ستميل اللجنة إلى قياس نجاحها بجودة الوثيقة التي ستنشرها. وقد نشرت تركيا وثيقة ممتازة، لكن الزلزال لم يقرأها.
إن حاجة سوريا لا تكمن في ورق أفضل، بل في أن تخضع كل حلقة بين الكود والخرسانة لتحقق شخص لا يتبع للبنّاء. فالأرض ستختبر السلسلة عند أضعف حلقاتها، كما فعلت دائماً.
وإذا كنت تعمل في إعادة إعمار سوريا، مسؤولاً أو مهندساً أو مموّلاً أو باحثاً، فإن التقرير الكامل يضع بين يديك الأدلة التي تستند إليها كل فكرة أعلاه، بمصادر يمكنك التحقق منها. أدخل بريدك الإلكتروني أدناه، وسيصلك رابط التنزيل خلال دقائق.
ويتناول الكتاب المرافق، تمويل إعادة إعمار سورية: الأرقام التي لا تصمد، تقديرات كلفة إعادة الإعمار والتمويل الكامن وراءها.
قراءات إضافية
- إعادة إعمار سوريا: اجتياز متاهة الدمار والقانون والجيوسياسة
إعادة إعمار سوريا: اجتياز متاهة الدمار والقانون والجيوسياسة مقدمة لا تُمثّل إعادة إعمار سوريا تحدياً تقليدياً لمرحلة ما بعد النزاع أو ما بعد الكارثة؛ بل هي أزمة "فائقة التعقيد" يتراكب فيها هذان السيناريوهان فوق مشهد من السيادة المجزأة، والتشريعات المُسَيَّسة، والمنافسة الجيوسياسية المحتدمة. إن حجم الدمار الذي خلّفته أكثر من عقد من الحرب الأهلية، والذي…
- طريقة تحليل مبسطة للتنبؤ بتأثير العزل الحراري على أحمال التدفئة والتبريد في المباني السكنية في سوريا
هذه ترجمة ملخصة لورقة بحث عرضتها في وقائع المؤتمر الثاني: الأشخاص والمباني الذي عُقد في مركز الدراسات العليا. جامعة لندن متروبوليتان، لندن، المملكة المتحدة. 18 سبتمبر 2012. هذه الورقة البحثية مبنية على رسالة الماجستير التي تحتوي تفاصيل كاملة عن الدراسة. بالإمكان مشاركة الرسالة للمهتمين. شبكة الراحة واستخدام الطاقة في المباني: http://www.nceub.org.uk ريان أزهريماجستير أداء وتصميم المباني المستدامة،…
- أزمة سوريا المتعددة الأوجه: دمج العدالة البيئية وإعادة الإعمار الخضراء من أجل مستقبل قادر على الصمود
أزمة سوريا المتعددة الأوجه: دمج العدالة البيئية وإعادة الإعمار الأخضر من أجل مستقبل قادر على الصمود مقدمة الجمهورية العربية السورية عالقة في "أزمة متعددة الأوجه" مدمرة وتتفاقم ذاتياً. ترتبط آثار تغير المناخ المتزايدة بشدة بإرث سوء الإدارة الاستبدادية، ونتائج أكثر من عقد من الصراع الوحشي، وانهيار اقتصادي عميق. يرى هذا التقرير أن هذه الأزمات ليست…
مقالات ذات صلة
دور الموازنة الحكومية في إعادة إعمار سوريا بعد الحرب: دروس من المملكة المتحدة ودول أخرى
المقدمة: لماذا تعتبر الموازنات مهمة في إعادة بناء الدول؟ الموازنة الحكومية السنوية ليست مجرد مجموعة من التقديرات المالية، بل هي بيان بأولويات الدولة. بالنسبة لدول مثل المملكة المتحدة، تعكس الموازنة كيفية تخصيص الموارد لدعم الخدمات، تعزيز الاقتصاد، وتلبية احتياجات المجتمع. أما بالنسبة للدول الخارجة من الصراعات، مثل سوريا، تصبح الموازنة حجر الزاوية في جهود إعادة…
تصور شبكة الكهرباء في سوريا
شبكة نقل الكهرباء السورية ليست مجرد أبراج ومحطات، بل بنية إقليمية حسّاسة. عرض بصري وتحليل لما تكشفه الشبكة عن الاستقرار والاقتصاد في سوريا والمشرق.
إعادة إعمار سوريا: مخطط للجميع وليس للقلة
لعدة أجيال، اعتنت عائلة أحمد ببستان زيتونهم على تل تغمره أشعة الشمس في سوريا. كانت الأشجار ميراثهم ومستقبلهم، رمزاً للسلام والديمومة. ثم جاءت الحرب وحولت كل ذلك إلى رماد. اليوم، حلم أحمد ليس فقط إعادة زراعة أشجاره، بل إعادة بناء حياته...