تخطٍّ إلى المحتوى
الثلاثاء، 30 يونيو 2026 · لندنENع
ريان الأزهري.الاستدامة · الطاقة · الكربون · البيئة المبنيةومنعطفات عابرة إلى الفلسفة أو الدين أو البرمجة، حيثما قاد الفضول

عن إطلاق مشروع "رحلة قاسيون" والنهج الذي يرسخه

في 21 نيسان/أبريل 2026 أطلقت محافظة دمشق ووزارة السياحة مشروع "رحلة قاسيون"، وهو مشروع سياحي وتراثي ضخم على جبل قاسيون، أُعد على يد "فريق من المصممين المختصين" دون مناقصة مفتوحة، ودون جملة شروط منشورة، ودون تقدير للتكلفة أو دراسات أثر. إنها المرة الثانية التي تكلّف فيها السلطات السورية الجديدة عملاً على أصل وطني رمزي خلف الأبواب المغلقة وتؤطّره كهدية وطنية. هذا المقال يختبر الادعاءات الرسمية، ويسأل إن كان يُكذب على الجمهور أم على المستثمرين، ويبيّن كيف يبدو تصحيح المسار الجدي.

ريان الأزهريأخصائي بيئي معتمد

في 21 نيسان/أبريل 2026، وفي دار الأوبرا بدمشق، أطلقت محافظة دمشق ووزارة السياحة رسمياً مشروعاً يحمل اسم "رحلة قاسيون". حضر الوزراء، وحضر السفراء، وحضر "ممثلو القطاعات الاقتصادية والاستثمارية". في أمسية واحدة، تحول عرض مرئي مصمم بعناية (Branding deck) إلى مشروع وطني، يستهدف التسليم في أواخر صيف عام 2026، مع وعود بتوفير سبعة آلاف فرصة عمل، ومباركة رئاسية.

الوصف الرسمي لكيفية إعداد المشروع كان الجملة الأكثر كشفاً للحقائق في حفل الإطلاق بأكمله. فقد أخبر نائب المحافظ الحضور أنه "تم إعداد رؤية واضحة تحت إشراف محافظ دمشق وفريق من المصممين المختصين". ليسوا مهندسين معماريين معتمدين. ولا مخططين مدن. ولا مهندسين مدنيين. ولا خبراء في التراث. مجرد مصممين.

مشروع وطني للسياحة والبنية التحتية والتراث، يقع على أكثر جبال سوريا رمزية تاريخية و ثقافية و دينية، وفي محيط محمي من قبل اليونسكو، وتحت قيود زلزالية ومائية خطيرة، تم "إعداده تحت إشراف المحافظ وفريق من المصممين المختصين". هذه الجملة تختصر القصة بأكملها.

النهج الذي يندرج ضمنه هذا المشروع

مشروع "رحلة قاسيون" هو الحالة الثانية المؤكدة لنهج محدد في التكليف والتعاقد، وليس الأولى. فالهوية البصرية والعملات النقدية التي طُرحت في وقت سابق من هذا العام تم تكليفها أيضاً دون مناقصة مفتوحة، ومُنحت دون نشر جملة شروط (Brief)، وتم الدفاع عنها بحجة أن العمل نُفذ "مجاناً" كبادرة وطنية. وهو دفاع لا يبرئ في أي إطار تعاقد جدي، بل يزيد الطين بلة، لأن الهدايا في السياسة هي ديون مؤجلة.

النمط المتبع هو تكليف خلف الأبواب المغلقة، وتأطير العمل على أنه "هدية وطنية"، واستشارات شكلية على وسائل التواصل الاجتماعي، ومخرجات نهائية جاهزة، والدفاع عن ذلك بمقارنته بنظام الأسد لجعل سقف التوقعات في الحضيض بدلاً من رفعه. لم يضحي و يقاتل السوريون في حرب استمرت أربعة عشر عاماً ليصبح معيار الحوكمة المقبولة هو "أقل فساداً بقليل من النظام الذي أسقطوه". إن مشروع "مسار قاسيون" يكتسب أهمية أكبر من الشعار أو الورقة النقدية، لأن ما يتم تقريره هنا لم يعد مجرد تصميم غرافيكي، بل المستقبل المادي للجبل الذي يحتضن العاصمة. فالخرسانة التي تُصب في الواجهة الجنوبية لجبل قاسيون لا يمكن التراجع عنها أو إزالتها.

لم يكن هناك دعوة منشورة لتقديم العروض. ولا طلب لإبداء الاهتمام. ولا مسابقة تصميم. ولا تأهيل مسبق. ولا لجنة تحكيم. ولا جملة شروط منشورة تحدد النطاق أو الميزانية أو القيود. لم يكن هناك أي تشاور مسبق مع المجتمع المحلي. ولا دراسات منشورة لتقييم الأثر التراثي، أو البيئي، أو البصري، أو المروري، أو الجيوتقني، ولا هيكل واضح للتمويل. كل ما حدث هو أن المحافظ و"فريقاً من المصممين المختصين" أعدوا رؤية وأطلقتها الدولة. هذا ليس إطاراً مؤسساتياً للتعاقد والمشتريات، بل تكليف شخصي خُتم بختم الدولة لاحقاً.

إن المعايير الإجرائية لأي أصل وطني رمزي ليست رفاهية مستوردة من الدول الغنية. فجيران سوريا قاموا بذلك في مشاريع ذات أهمية مماثلة. الإجراء السليم هو مسابقة دولية مفتوحة، تضم تخصصات متعددة ولجنة تحكيم، وتستند إلى مجموعة شروط منشورة يكتبها خبراء في التراث، والتخطيط العمراني، والهندسة الإنشائية، والهيدرولوجيا، والبيئة، والآثار، والنقل، وتنمية المجتمع. تُعرض المشاريع المؤهلة للقائمة القصيرة على الجمهور. وتُنشر أسباب اختيار المشروع الفائز. وتُكشف شروط العقد. أي خطوة أقل من ذلك في قاسيون، تعني اختيارنا لكيفية تعامل سوريا الجديدة مع أبرز معالمها؛ والخيار الذي اتُخذ هنا هو التعامل معها بنفس الطريقة التي كانت تتعامل بها سوريا القديمة في عهد الأسد.

هناك أيضاً السؤال عن الغموض، من هو المهندس المعماري المعتمد والمخول قانونياً؟ من يتحمل المسؤولية المهنية عن السلامة الإنشائية للكتل البارزة المحفورة في الواجهة الجنوبية لجبل نشط زلزالياً؟ ما هي الشركة المعتمدة التي ستوقع وتصادق على التقييم الجيوتقني، وحسابات استقرار المنحدرات، واستراتيجية مكافحة الحرائق، ومسارات الإخلاء في حالات الطوارئ، وحمولات الرياح على جناح زجاجي جبلي على هذا الارتفاع؟ في مشروع يُعلن افتتاحه "بنهاية صيف 2026"، واستناداً إلى حزمة تصميم لا تحتوي على مساقط أفقية، ولا مقاطع عرضية، ولا استراتيجية للخدمات، ولا تقرير إنشائي، فإن هذه الأسئلة ليست مجرد تفاصيل شكلية. بل هي الأسئلة التي تحدد ما إذا كان شخص ما سيلقى حتفه على هذا الجبل في عام 2027. حفل الإطلاق لم يعالج هذه القضايا، والصور التخيلية (الرندر) لا يمكنها الإجابة عليها.

دعونا نختبر الادعاءات الرسمية

سبعون بالمئة من المشروع مجاني ومتاح للجمهور. مجاني من ماذا؟ هل المقصود الدخول المجاني إلى الجبل، وهو مجاني أصلاً في الوقت الحالي؟ هذا الرقم لا يستند إلى أي منهجية منشورة. وإلى أن يتم نشر التفاصيل، ومعرفة ماهية الـ 30٪ المتبقية، ومن سيقوم بتشغيلها، وبأي شروط، وبأي أسعار، فإن نسبة السبعين بالمئة هي مجرد رقم تسويقي، وليست التزاماً تجاه المصلحة العامة.

أكثر من 7,000 فرصة عمل ومئات الفرص الاستثمارية الصغيرة والمتوسطة. لا توجد منهجية واضحة، ولا إطار زمني، ولا توزيع قطاعي، ولا تمييز بين وظائف مرحلة البناء ووظائف مرحلة التشغيل، ولا التزام بالحد الأدنى للأجور، أو التوظيف المحلي، أو التدريب. رقم الـ 7,000 هو مجرد رقم تقريبي صُمم ليتصدر عناوين الأخبار عند الإطلاق ثم يموت في مرحلة التنفيذ.

لم تُمنح أي فرص استثمارية باستثناء مشروع المواقف. سيتم طرح الفرص المتبقية عبر منصة إلكترونية بمعايير واضحة وشفافة. اقرأ هذا بعناية. الهيكلية الموصوفة تعني: القطاع العام يصمم المشروع (باستخدام استوديو خاص وبشكل حصري)، ويبني العلامة التجارية (باستخدام نفس الاستوديو)، ويصل بالمشروع إلى مرحلة الجاهزية التشغيلية، ثم يطرحه لاحقاً كفرص استثمارية تجارية، عبر منصة لا وجود لها حتى الآن، ووفقاً لمعايير لم تُنشر بعد. أي يتم إزالة المخاطر (De-risking) عن هذا الأصل على نفقة المال العام قبل عرضه على رأس المال الخاص. هناك اسم يطلق على هذه العملية عندما تتم بشكل جيد، واسم آخر مختلف عندما تتم بشكل سيء. وبدون وثائق منشورة، لا يمكن لأحد خارج المحافظة معرفة أيهما يحدث الآن.

ستُفتتح معظم مكونات المشروع بحلول نهاية صيف 2026. كان حفل الإطلاق في 21 نيسان/أبريل. من أربعة إلى خمسة أشهر لإنجاز مشروع متعدد الأجنحة على قمة جبل، يتضمن بنية تحتية جديدة للكهرباء والصرف الصحي، وتلفريك، وهندسة معمارية بارزة، ومحلات تجارية، ومرافق ضيافة، ولافتات، وأزياء موحدة، هو إطار زمني مستحيل إذا بدأ العمل من الصفر. لا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا كانت عمليات البناء جارية بهدوء منذ أشهر طويلة قبل الإطلاق العام؛ وفي هذه الحالة، كان حفل الإطلاق مجرد مسرحية وليس إعلاناً، وتم استبعاد الجمهور و المجتمعات المحلية من قرار كان قد اتُخذ بالفعل.

التكلفة مفقودة لأن التكلفة هي جوهر القصة. إن مشروعاً بهذا الحجم له تكلفة. وفي أقل التقديرات، نتحدث عن مئات الملايين من الدولارات الأمريكية، ومن المرجح أن يتجاوز المليار إذا تم تنفيذ التلفريك والفندق والبرنامج المعماري الكامل المعروض. لا يوجد تقدير منشور للتكلفة. ولا مصدر معلن لرأس المال. ولا هيكل امتياز منشور لأي عنصر باستثناء مواقف السيارات. ولا خريطة ملكية منشورة. إن غياب الإطار الاقتصادي ليس سهواً، بل هو مقصود بحد ذاته.

لو نُشرت تكلفة المشروع وطرق تمويله وهيكل ملكيته، لأصبحت ثلاثة أمور مستحيلة:

  • أولاً، سيصبح من الممكن حساب مقارنة بين التكلفة الرأسمالية لـ "مسار قاسيون" وبين ما يمكن أن تفعله هذه الأموال في مشاريع تدعيم المدينة القديمة، وإعادة تأهيل المساكن، وإصلاح المدارس، وإعادة ترميم شبكة الكهرباء. حالياً، هذه المقارنة غير ممكنة لأن الرقم الأساسي مخفي.
  • ثانياً، إن التساؤل حول هوية رأس المال الأجنبي الذي يتم استقطابه، وبأي شروط امتياز، سيتحول إلى نقاش عام. في الوقت الحالي، لا يمكن حدوث ذلك لأن المشروع يُقدم كمبادرة من المحافظة وليس كأداة استثمارية يتم هندستها لتكون كذلك.
  • ثالثاً، ستصبح الإجابة على سؤال القدرة على تحمل التكاليف ممكنة: من يستطيع فعلياً استخدام الـ 30٪ غير المجانية، وبأي أسعار؟ حالياً لا توجد إجابة، لأنه لم يتم نشر نموذج العمل الخاص بأي مشغل.

إن جمهور حفل الإطلاق يمكن ان يخبرنا عمّن يتم حجب هذه الأرقام المفقودة. كان السفراء و"ممثلو قطاع الاستثمار" في دار الأوبرا. لكن العائلات الدمشقية التي تسكن السفوح السفلية لقاسيون لم تكن هناك، زوار و مستخدمي الجبل لم يكونوا حاضرين، اخصائيي الهندسة و التراث الثقافي و المادي تم تغييبهم. الأرقام التي قد تضر بالقبول السياسي و المجتمعي للمشروع في دمشق هي ذاتها الأرقام التي سيحتاج المستثمرون المحتملون في الخارج لرؤيتها في النهاية. هذان الجمهوران يتطلبان تقديم الأرقام في أوقات مختلفة وبصياغات مختلفة. لذلك، فإن حفل الإطلاق يطرح العلامة التجارية أمام الجميع، لكنه يؤجل الجوهر التفصيلي عن كلا الطرفين.

هل يتم الكذب على المستثمرين، أم الكذب على الجمهور، أم كلاهما؟

هناك قراءة متفائلة وقراءة أخرى أقل تفاؤلاً. القراءة المتفائلة هي أن المشروع يمثل محاولة صادقة، وإن كانت تفتقر للاحترافية، لإنعاش القطاع السياحي في دمشق، وأن الأرقام سيتم استكمالها بمرور الوقت، وأن الاستشارات ستصبح أعمق، وأنه سيتم استقطاب شركات معمارية مؤهلة لتنفيذ المشروع.

أما القراءة الأقل تفاؤلاً فهي أن حفل الإطلاق هو مجرد تمرين تسويقي صُمم ليخاطب جمهورين برسالتين مختلفتين. بالنسبة للجمهور السوري، يُقدم المشروع على أنه منفعة عامة مجانية (سبعون بالمئة مجاناً!) تخلق فرص عمل وتثبت كفاءة الحكومة الجديدة. أما بالنسبة للمستثمرين الأجانب المحتملين، فيُقدم المشروع كفرصة تطوير عقاري منزوعة المخاطر، حيث تم بناء العلامة التجارية مسبقاً، وتأمين الغطاء السياسي، وتجهيز حجج المصلحة العامة، على أن يتم تخصيص الفرص الاستثمارية لاحقاً عبر منصة تحدد معاييرها المحافظة وحدها. لم يتم إعطاء أي من الجمهورين الأرقام التي تتيح لهم تقييم ما إذا كان يُقال لهم الحقيقة.

الأدلة المتاحة لا تسمح لنا بالاختيار بين القراءتين، لكن غياب الأدلة بحد ذاته هو المشكلة في كلتا الحالتين. الحكومة التي ترغب في أن تحظى بالثقة يجب أن تنشر المعلومات المفقودة. وإذا لم تفعل، فهذا يعني أن حسابات المخاطر السياسية لديها تُفضل التعتيم على التدقيق والمكاشفة. هذه هي نفس الحسابات التي اتُبعت في إطلاق الهوية البصرية، ونفس الحسابات التي اتُبعت في إصدار العملة النقدية. عندما يتكرر الأمر ثلاث مرات متتالية، فهو ليس مجرد صدفة.

لمن الجبل الآن؟

تعد السفوح السفلية والمتوسطة لقاسيون موطناً لبعض أكثر الأحياء العشوائية وشبه العشوائية كثافة في دمشق، مثل ركن الدين وأجزاء من المهاجرين؛ وهي الأحياء التي نمت عبر عقود من الهجرة من الريف إلى المدينة واستوعبت النازحين خلال سنوات الحرب. إن أي مخطط توجيهي سياحي (Masterplan) يقام فوقهم يعني، كحد أدنى، استملاك الأراضي لصالح مسار التلفريك، وتوسيع الطرق، ومواقف السيارات، والمحيط الأمني. العرض التقديمي للمشروع لا يأتي على ذكر هذه المجتمعات. وحفل الإطلاق لم يدعُ ممثليهم. إنهم، وفقاً للوصف الرسمي لـ "مسار قاسيون"، غير موجودين أساساً.

في المقابل، نجد "الزبون" حاضراً في كل صورة تخيلية (رندر). زوار أنيقون بملابس ذات طابع أقرب للخليجي. شرفات زجاجية تطل على المدينة. جدار لالتقاط صور السيلفي على شكل كلمة DAMASCUS المضيئة، بخطوط طباعية تنتمي إلى "موسم الرياض" أكثر من انتمائها لأي تقليد دمشقي. لغة الحملة هي لغة سياحية خليجية بحتة. التنسيق ثنائي اللغة يعطي الحروف الإنجليزية وزناً بصرياً يساوي أو يفوق اللغة العربية. الجمهور المستهدف واضح: المغتربون العائدون بالعملة الصعبة، سياح عطلات نهاية الأسبوع من الخليج، زوار الطبقة الوسطى من تركيا وإيران، والشريحة الثرية من الدمشقيين.

إن إقامة "وجهة قمة حديثة وفاخرة" في مدينة يكسب فيها معظم العمال دولارات معدودة يومياً، لا تعتبر وجهة لعمال المدينة. إذا صمد ادعاء "الـ 70٪ المجانية" في مرحلة التنفيذ، فمن المرجح أنه سيقتصر على حق المشي في ممر وحق الجلوس على مقعد، وليس حق شرب القهوة على الشرفات المعروضة، أو تناول الطعام في المطاعم المعروضة، أو الإقامة في الفندق المعروض. ستكون هناك طبقة اجتماعية مخملية محددة تحظى بالرفاهية في الأعالي. وهذه الطبقية واضحة وموجودة بالفعل في الصور المعروضة.

كيف يبدو تصحيح المسار؟

الاستجابة الجدية من قبل محافظة دمشق ووزارة السياحة تعني نشر الوثائق التالية خلال إطار زمني محدد وقصير: جملة شروط التصميم (Design brief) التي استُخدمت لتكليف العمل؛ العقد المبرم مع استوديو التصميم، بما في ذلك الشروط المالية (أو الإطار الرسمي الذي قدمت بموجبه شركة خاصة خدماتها لسلطة عامة إذا كان العمل تطوعياً)؛ تقديرات التكاليف الرأسمالية والتشغيلية؛ تفصيل مصادر التمويل؛ هيكل الملكية والامتياز لكل عنصر من عناصر المشروع وليس فقط مواقف السيارات؛ تقييم الأثر التراثي، والتقييم البيئي، والتقييم الجيوتقني، وتقييم حركة المرور والوصول؛ واسم المهندس المعماري المعتمد والمهندس الإنشائي المعتمد وسلسلة المسؤولية المهنية عن العناصر المبنية.

إذا كانت هذه الوثائق موجودة، فإن نشرها لن يكلف المحافظة شيئاً، وسيكسبها مصداقية تفتقدها حالياً. أما إذا كانت هذه الوثائق غير موجودة، فيجب إيقاف المشروع مؤقتاً حتى يتم إعدادها.

بالتوازي مع ذلك، يجب على المحافظة و الحكومة أن تلتزما رسمياً وبشكل علني بإجراء مسابقة تصميم دولية مفتوحة لأي مشروع مستقبلي ذي أهمية مماثلة، وبإنشاء أرشيف عام لعقود التصميم التي تتجاوز حداً معيناً، مع الكشف عن شروطها عند ترسية العطاء. هذا الالتزام هو الفارق بين حكومة انتقالية تتحول إلى حكومة مؤسساتية، وحكومة انتقالية تتحول إلى حالة ارتجال دائمة.

السؤال الأعمق الذي يثيره مشروع "مسار قاسيون" ليس ما إذا كان هناك مشروع واحد قد صُمم بشكل جيد أو سيء. بل هو ما إذا كانت المرحلة الانتقالية السورية ستعمل على بناء مؤسسات، أم إعادة بناء عادات قديمة. المؤسسات بطيئة، وعامة، ومستدامة. أما العادات فهي سريعة، وخاصة، وسهلة الكسر. النمط الموصوف هنا هو نمط العادات. وكل مشروع يتبع هذا النمط يجعل من الصعب التخلص من هذه العادة، ويجعل بناء المؤسسات أصعب لاحقاً.

لم يدفع الجمهور السوري ثمن أربعة عشر عاماً من الحرب ليتم تقديم تصميمات منجزة له ويُطلب منه التصفيق. لقد دفعوا هذا الثمن من أجل الحق في أن يكونوا جزءاً من النقاش حين تُكتب جملة الشروط. وهذا الحق يُسلب منهم حالياً و يقرر نيابة عنهم.

الجبل هنا هو استعارة مجازية وهو كذلك الشيء المادي بحد ذاته. بمجرد أن تبني شيئاً لا ينبغي أن يكون هناك، فإن الجبل سيتذكر. وكذلك سيفعل الوطن.

مقالات ذات صلة

ضريبة الثقة: لماذا سيكلف إحياء سجلات الأوقاف العثمانية في سوريا أكثر مما يسترد؟

تحليل لخطة وزارة الأوقاف السورية لاسترداد الأوقاف التاريخية عبر الأرشيف العثماني. يوضح المقال كيف يؤدي التشكيك في سندات الملكية المستقرة إلى تقويض الثقة العقارية وإعاقة جهود إعادة الإعمار بعد الحرب.

عندما تكون السلطة مطلقة بدون حدود

حين فُتحت أبواب سجن صيدنايا في كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: كيف تتحول الدولة إلى سجن، وكيف ينتهي الأمر بأشخاص عاديين إلى إدارته؟ استناداً إلى دراسات ميلجرام عن الطاعة، وتجربة سجن ستانفورد لزيمباردو، وتوثيق الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية للتعذيب الممنهج في سوريا، يرى هذا المقال أن الحل ليس في قادة أكثر فضيلة بل في مؤسسات أفضل. ضمانة سوريا الحقيقية ضد صيدنايا أخرى هي ضمانة دستورية: فصل السلطات، ورقابة مستقلة، ومساءلة مكتوبة في صلب الدولة.

تقييم البصمة المناخية العسكرية العالمية

دفتر كربون الصراع: البقع العمياء الجيوسياسية في أطر المناخ العالمية. يعمل الجهد العالمي للتخفيف من تغير المناخ البشري المنشأ حالياً مع نقص هيكلي كبير: الإغفال المنهجي للانبعاثات العسكرية من أطر الحوكمة الدولية...

· 13 min

مقالات إلى بريدك

كتابات جديدة عن سوريا والاستدامة والتمويل، بضع مرات في الشهر.

يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. يقرأها أكثر من ٤٢٠٠ متخصّص.