تخطٍّ إلى المحتوى
الثلاثاء، 30 يونيو 2026 · لندنENع
ريان الأزهري.الاستدامة · الطاقة · الكربون · البيئة المبنيةومنعطفات عابرة إلى الفلسفة أو الدين أو البرمجة، حيثما قاد الفضول

عندما تكون السلطة مطلقة بدون حدود

حين فُتحت أبواب سجن صيدنايا في كانون الأول/ديسمبر 2024، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: كيف تتحول الدولة إلى سجن، وكيف ينتهي الأمر بأشخاص عاديين إلى إدارته؟ استناداً إلى دراسات ميلجرام عن الطاعة، وتجربة سجن ستانفورد لزيمباردو، وتوثيق الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية للتعذيب الممنهج في سوريا، يرى هذا المقال أن الحل ليس في قادة أكثر فضيلة بل في مؤسسات أفضل. ضمانة سوريا الحقيقية ضد صيدنايا أخرى هي ضمانة دستورية: فصل السلطات، ورقابة مستقلة، ومساءلة مكتوبة في صلب الدولة.

ريان الأزهريأخصائي بيئي معتمد

الدرس الذي تكتبه سوريا الآن.

عندما فُتحت أبواب سجن "صيدنايا" في ديسمبر 2024، رأى العالم ما شهد به السوريون وطالما اضطروا للمجادلة لإثباته. فُرغت الزنازين، وخرج الناجون، وسار الأهالي في ممرات قيل لهم لسنوات طويلة إنها لا تضم أحباءهم. ومع هذا الانفتاح، برز سؤال يتعين على كل مجتمع الإجابة عليه في نهاية المطاف، ويتحتم على سوريا الآن أن تجيب عليه بنفسها: كيف تتحول الدولة إلى سجن؟ وكيف ينتهي الأمر بأشخاص عاديين إلى إدارة هذا السجن و يتحولوا الى وحوش؟

لقد قدم علم النفس واحدة من أوضح المحاولات للإجابة على هذا التساؤل. لم تدَّعِ دراسات ستانلي ميلجرام حول "الطاعة" ولا "تجربة سجن ستانفورد" لفيليب زيمباردو أن البشر أشرار بطبيعتهم، بل خلصت إلى أمر أكثر إثارة للقلق: وهو أن الأشخاص العاديين، في ظل ظروف معينة من السلطة والدور والظرف المحيط، يمكن دفعهم نحو القسوة إلى حد أبعد بكثير مما قد يتوقعونه هم أنفسهم. فالمواقف هي التي تصوغ الناس، والمؤسسات هي التي تشكل المواقف، أما السلطة غير الخاضعة للمساءلة فهي التي تفسد أحكام من قد يعتبرون أنفسهم، في ظروف أخرى، أشخاصاً لائقين جيدين.

صاغ ميلجرام هذه الحجة ببساطة قاسية؛ إذ اعتقد المشاركون في تجربته أنهم يوجهون صدمات كهربائية لشخص غريب بناءً على تعليمات باحث، وفي الإعداد الأصلي للتجربة، استمر 65% منهم لإرسال صدمات كهربائية حتى الوصول إلى الحد الأقصى البالغ 450 فولتاً، بينما وصل كل مشارك بلا استثناء إلى 300 فولت على الأقل. تردد الكثيرون، وتصببوا عرقاً، وسألوا بضيق واضح عما إذا كان ينبغي عليهم الاستمرار، ومع ذلك استمروا، فقط لأن الباحث "الرجل الذي يرتدي المعطف الأبيض" أمرهم بذلك. ولم تفقد خلاصة ميلجرام شيئاً من قوتها حتى اليوم: "الطاعة قادرة على إعادة صياغة الضمير، خاصة عندما يشعر المرء أن المسؤولية قد نُقلت إلى جهة أعلى منه."

طرحت تجربة سجن ستانفورد التي أجراها زيمباردو عام 1971 سؤالاً ذا صلة من زاوية أخرى؛ حيث وُزع طلاب ذكور عشوائياً كحراس أو سجناء في سجن وهمي بمبنى علم النفس في جامعة ستانفورد. كان من المفترض أن تستمر الدراسة أسبوعين، لكنها توقفت بعد ستة أيام فقط، بعد أن تصاعد سلوك الحراس ليتحول إلى انتهاكات وحشية وعانى السجناء من أذى نفسي حقيقي. ورغم أن ستانفورد واجهت منذ ذلك الحين انتقادات شديدة بشأن الأخلاقيات والمنهج واحتمالية تأثير زيمباردو نفسه على النتائج، إلا أن الدراسة لا تزال تتردد أصداؤها في الجدل العام لأنها جسدت مبدأً يعرفه السوريون في صميم وجدانهم: "أعطِ شخصاً زياً رسمياً بدلة عسكرية، ودوراً، وباباً مغلقاً، ورئيساً يأمره، وستغير حتماً جوهر ما سيصبح عليه هذا الشخص."

وقد نقلت السينما هذا التحذير إلى الخيال العام؛ ففي فيلم "تجربة سجن ستانفورد" (2015)، يستقطب زيمباردو طلاباً مقابل خمسة عشر دولاراً في اليوم، وفي غضون ساعات من تسلمهم الهراوات والنظارات الشمسية، يبدأ شباب وصلوا كمتطوعين في إهانة شباب آخرين وصلوا بالطريقة نفسها. الفيلم يثير القلق ليس لظهور "وحوش" فيه، بل لأن لا أحد منهم كان وحشاً عند وصوله، بل تحولوا إلى ذلك بالتدريج. وحتى زيمباردو، مصمم للتجربة، ينجذب إلى النظام الذي صممه بنفسه؛ وهو تحذير مفاده أن الهياكل غير الخاضعة للمساءلة لا تأسر التابعين فحسب، بل تأسر مصمميها أيضاً.

ويذهب فيلم "التجربة" (2010) بهذه الفرضية إلى أبعد من ذلك، حيث يضع ستة وعشرين رجلاً في منشأة معزولة تحت مراقبة الكاميرات المستمرة، مقسمين إلى ستة حراس وعشرين سجيناً. ومع تصاعد العنف بين السجين "ترافيس" والحارس "باريس"، تستمر الكاميرات في المشاهدة دون أن يتدخل أحد. هذه الصورة -"الرقابة بلا قدرة على الردع"- هي التي يجب أن يتمسك بها السوريون جيداً، لأن الرقابة التي لا تملك سلطة التنفيذ ليست رقابة، بل هي مجرد تمثيلية او مسرحية.

لا يُطرح أي مما سبق كتفسير لمعاناة سوريا، فسوريا ليست بحاجة لتمثيلات مخبرية. فقد وثق تقرير صدر عام 2024 عن "الآلية الدولية والمحايدة والمستقلة" التابعة للأمم المتحدة عمليات تعذيب وانتهاكات ممنهجة في أكثر من 100 منشأة احتجاز تابعة للحكومة السورية، استناداً إلى أكثر من 300 مقابلة مع شهود وأدلة جنائية ووثائق النظام نفسه. تتبع التقرير التعذيب، والعنف الجنسي، والاختفاء القسري، والحرمان الطبي، والظروف غير الإنسانية عبر "العمود الفقري المؤسسي" للدولة: من الفروع الأمنية والمستشفيات العسكرية، وصولاً إلى الشرطة العسكرية والقيادة العليا. وبشكل منفصل، أفادت منظمة العفو الدولية بوقوع تعذيب ممنهج واحتجاز تعسفي واسع النطاق في شمال شرق سوريا، حيث يُحتجز أكثر من 56 ألف شخص في 27 منشأة ومخيمين على الأقل، يتعرضون للضرب، وأوضاع الإجهاد الجسدي، والصدمات الكهربائية، والاعتراف القسري.

هذه الأرقام ليست درساً في علم النفس، بل هي سجل لبلد بأكمله. لكن تجارب ميلجرام وزيمباردو تساعدنا على فهم كيف يمكن لأيدٍ بشرية أن تنتج مثل هذا السجل، يوماً بعد يوم، ونوبة عمل تلو الأخرى، عبر عقود. فبمجرد أن يصبح العنف "عملاً مؤسسياً"، لا يحتاج المرء إلى تخيل نفسه شريراً للمشاركة فيه؛ حارس "ينفذ الإجراءات" فقط، ضابط "يطيع الأوامر" فقط، محقق "يحمي الدولة" فقط، إداري "يؤدي وظيفته" فقط، قاضٍ "يطبق القانون" فقط، وزير "يخدم الاستقرار" فقط. كل واحد منهم يروي لنفسه قصة ترفع الثقل عن كاهله وتضعه في مكان أعلى، في مكان بعيد، في مكان لن يضطر للإجابة منه أبداً.

لهذا السبب، فإن الدرس الحقيقي بالنسبة لسوريا هو درس دستوري قبل أن يكون نفسياً. الحل لما حدث ليس في الأمل بأن يكون القادة المستقبليون أكثر فضيلة من سابقيهم، بل يكمن في تصميم دولة تقوم على افتراض صادق بأن البشر عرضة للخطأ، وسريعو التأثر، وطموحون، وخائفون، وقادرون على تبرير أفعالهم بشكل استثنائي؛ ومن ثم بناء مؤسسات ترفض السماح لتلك السمات بالتفشي لتتحول إلى سياسات رسمية.

وهذا يعني، بشكل ملموس، دولة تخضع فيها كل مستويات السلطة للمساءلة من قِبل مستوى آخر. شرطة يمكن التحقيق معها من قِبل هيئات مستقلة، سجون مفتوحة للمراقبين المستقلين دون سابق إنذار، وكالات استخبارات مقيدة بالقانون المكتوب وتخضع للرقابة القضائية، محاكم شفافة في معاييرها وتعييناتها، ووزراء يخضعون لتدقيق برلمان قوي بما يكفي لاستدعائهم، وصحافة حرة ومجتمع مدني يمكنه كشف الانتهاكات قبل أن تتحول إلى روتين. هذه ليست افكار غربية مستوردة، بل هي الحد الأدنى من المتطلبات الرئيسية لأي دولة لا ترغب في إنتاج "صيدنايا" آخر أو دكتاتور جديد.

لقد أكدت الأمم المتحدة مراراً وتكراراً أن المساءلة هي حجر الزاوية في المرحلة الانتقالية في سوريا، وأنه يجب التحقيق في الانتهاكات الماضية والحالية بشكل مستقل وشامل وشفاف. هذا ليس مجرد مطلب أخلاقي بعد وقوع الفظائع، بل هو البنية العملية التي تجعل تنظيم فظائع مستقبلية أمراً أكثر صعوبة. فالمجتمع الذي لا يستطيع التحقيق في سلوكه لا يمكنه تصحيحه، والدولة التي تضع أي منصب فوق المساءلة ستكتشف في النهاية أن المنصب قد أصبح هو الدولة.

إن أشد الأفكار قتامة في كلا التجربتين، وفي كلا الفيلمين، هي أن الوحشية تتقدم بخطوات تدريجية: قاعدة، دور، زي رسمي, حالة طوارئ، صمت، ثم سلسلة قيادة. في فيلم "تجربة سجن ستانفورد"، تنمو الانتهاكات عبر الروتين حتى يصبح الانهيار حتمياً. وفي فيلم "التجربة"، تسجل الكاميرات ما لا تستطيع منعه. وفي سوريا، خلفت عقود من الانتهاكات المتراكمة مجتمعاً يحتاج الآن إلى إعادة بناء الثقة من الصفر، ولهذا السبب يضع المحققون الدوليون العدالة والإصلاح والمؤسسات الخاضعة للمساءلة في قلب أي مستقبل سوري مستدام.

السوريون ليسوا بحاجة لمن يخبرهم بأن السلطة بلا حدود هي أمر خطر، فقد دفعوا ثمن هذا الدرس بالكامل، مراراً وتكراراً، بعملة لا ينبغي أبداً مطالبة أحد بدفعها. والسؤال الآن هو ما إذا كانت البلاد ستكتب تلك المعرفة في صلب مؤسساتها، في الدستور، وقانون العقوبات، وقانون الأمن، والإجراءات القضائية، وميزانية البلديات، حتى لا يتمكن أي حارس أو ضابط أو وزير أو رئيس مستقبلي من القول مرة أخرى، وتصديقه، بأنه "كان ينفذ الأوامر فقط".

يجب تقسيم السلطة، وفصل السلطات التنفيذية و التشريعية و القضائية، ويجب مراجعة الصلاحيات، ويجب أن يكون كل منصب مسؤولاً أمام جهة ما. لأن الخط الفاصل بين "النظام" و"الوحشية" ليس واسعاً كما تحب المجتمعات الآمنة أن تعتقد، وبمجرد أن تتجاوزه الدولة، فإن تكلفة العودة تُقاس بأسماء الضحايا التي ما زلنا نتعلمها حتى يومنا هذا.

مقالات ذات صلة

ضريبة الثقة: لماذا سيكلف إحياء سجلات الأوقاف العثمانية في سوريا أكثر مما يسترد؟

تحليل لخطة وزارة الأوقاف السورية لاسترداد الأوقاف التاريخية عبر الأرشيف العثماني. يوضح المقال كيف يؤدي التشكيك في سندات الملكية المستقرة إلى تقويض الثقة العقارية وإعاقة جهود إعادة الإعمار بعد الحرب.

عن إطلاق مشروع "رحلة قاسيون" والنهج الذي يرسخه

في 21 نيسان/أبريل 2026 أطلقت محافظة دمشق ووزارة السياحة مشروع "رحلة قاسيون"، وهو مشروع سياحي وتراثي ضخم على جبل قاسيون، أُعد على يد "فريق من المصممين المختصين" دون مناقصة مفتوحة، ودون جملة شروط منشورة، ودون تقدير للتكلفة أو دراسات أثر. إنها المرة الثانية التي تكلّف فيها السلطات السورية الجديدة عملاً على أصل وطني رمزي خلف الأبواب المغلقة وتؤطّره كهدية وطنية. هذا المقال يختبر الادعاءات الرسمية، ويسأل إن كان يُكذب على الجمهور أم على المستثمرين، ويبيّن كيف يبدو تصحيح المسار الجدي.

تقييم البصمة المناخية العسكرية العالمية

دفتر كربون الصراع: البقع العمياء الجيوسياسية في أطر المناخ العالمية. يعمل الجهد العالمي للتخفيف من تغير المناخ البشري المنشأ حالياً مع نقص هيكلي كبير: الإغفال المنهجي للانبعاثات العسكرية من أطر الحوكمة الدولية...

· 13 min

مقالات إلى بريدك

كتابات جديدة عن سوريا والاستدامة والتمويل، بضع مرات في الشهر.

يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. يقرأها أكثر من ٤٢٠٠ متخصّص.